22 يوليو, 2020

هل تدفع جائحة كوفيد-19 العالم لبلوغ "ذروة إنتاج النفط" قبل آوانه؟

الكلمات

ST_21_07.png

كيف سينعكس انخفاض استهلاك النفط العالمي على دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

أحدث وباء كورونا المستجد تغييراً جوهرياً في قطاعات كبيرة في حياتنا لا سيما في النقل والسفر والسياحة. وأغلقت العديد من البلدان حدودها وقيّدت حركة مواطنيها من خلال فرض إجراءات الإغلاق من أجل التصدي للفيروس الفتاك.

وكان لهذا الوضع غير المسبوق تأثيراً كبيراً على استهلاك النفط. والسؤال الأهم الذي يتبادر إلى الأذهان الآن: هل سيؤدي ذلك إلى تسريع "ذروة النفط"؟ وكيف ستكون تداعيات هذه التغييرات الجوهرية على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تعتمد اقتصادات دولها بشكل أساسي على منتجات الطاقة الرئيسية؟
 

انخفاض الاستهلاك العالمي للنفط

سيبقى تاريخ "20 أبريل 2020" محفوراً في ذاكرة متداولي النفط حيث تحولت أسعار النفط إلى القيمة السلبية للمرة الأولى في التاريخ. في ذلك اليوم، انخفض مؤشر غرب تكساس الوسيط (WTI) والذي يُعتبر مؤشر النفط الخام الأمريكي، من 17.85 دولار أمريكي في بداية التداول إلى ناقص 37.63 دولار أمريكي عند الإغلاق.

جاء ذلك بعد موافقة منظمة أوبك+، وهي مجموعة من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، على خفض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل يومياً في محاولة لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط بعد الانهيار التاريخي للأسعار بسبب أزمة الوباء. لاحقاً، تعافت الأسعار بشكل تدريجي. وبحلول منتصف شهر يوليو، وصل سعر خام غرب تكساس الوسيط عند أقل بقليل من مستوى 40 دولار للبرميل. مع ذلك، وفي ظل استمرار الأزمة الصحية والانكماش الاقتصادي، من المتوقع أن تبقى أسواق النفط في حالة تأهب قصوى.
 

Source: Investing.com

Source: Investing.com

من جانب آخر، تكبد قطاع الطاقة أضراراً جسيمة مع التوقف التام لحركة الطائرات والنقل في جميع أنحاء العالم،. وفي مارس الماضي، توقعت وكالة الطاقة الدولية انخفاض الطلب العالمي على النفط خلال عام 2020 بسبب تفشي فيروس كوفيد-19 ما سيحد من السفر ومن عودة النشاط الاقتصادي العالمي إلى سابق عهده. وفي هذا السياق، وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع الراهن بأنه غير مستقر خاصة في ظل غياب أي رؤية شاملة لما ستؤول إليه الأمور على الصعيد العالمي بسبب استمرار أزمة الوباء.

في واقع الأمر، يشمل السيناريو الذي توقعته الوكالة انخفاضاً في الطلب على النفط هذا العام للمرة الأولى منذ عام 2009 بسبب الانكماش الشديد في استهلاك النفط في الصين والاضطرابات الرئيسية في قطاعي السفر والتجارة العالمية. وفي تقريرها لشهر يوليو، توقعت الوكالة مجدداً تراجع الطلب العالمي على النفط بمقدار 7.9 مليون برميل يومياً خلال العام الجاري.
 

Long-Term-Impact.png

استناداً إلى ما سبق، وبحسب بعض المراقبين قد يساهم الوضع الراهن في تسريع الوتيرة نحو بلوغ "ذروة النفط ". وعلى هذا الصعيد، توقعت شركةRystad Energy ،وهي شركة استشارية نرويجية للأبحاث، في مراجعتها السنوية لموارد النفط العالمية بأن الانكماش المرتبط بالوباء سيسرع من ذروة الطلب على النفط بنحو ثلاث سنوات حتى عام 2027 إلى عام 2028. وأشارت Rystad إلى تراجع عمليات الاستكشاف في المناطق النائية البعيدة عن الشواطئ. مما سيؤدي إلى انخفاض النفط القابل للاستخراج في العالم بنحو 282 مليار برميل.

مفهوم ذروة النفط

ماذا يعني مصطلح "ذروة النفط"؟ إنها النقطة الافتراضية التي يصل عندها إنتاج النفط العالمي إلى أقصى معدل له، قبل أن ينخفض في نهاية المطاف. اكتسبت النظرية اهتماماً متجدداً في العقد الماضي حيث حاول العالم خفض انبعاثات الكربون، ولكن في الحقيقة يعود هذا المفهوم إلى وقت أقدم بكثير.

ويرجع الفضل بشكل كبير إلى الجيولوجي الأمريكي أم كينغ هوبرت في اختراع هذه النظرية في الخمسينيات، عندما اقترح أن إنتاج النفط سيتبع منحنى على شكل جرس. وخضع هذا المفهوم للكثير من النقاش والجدل لكنه لا يزال منتشراً ضمن بعض الدوائر.

رغم اعتقاد العديد من الخبراء بأن إنتاج النفط سيصل ذروته في عام 2030، إلا أنه من الصعب تحديد موعد حدوث ذلك بالضبط. في ورقة بحثية نشرت عام 2019 فيScience Direct ، لاحظ المؤلف أوغو باردي أنه "لم نصل بعد للذروة العالمية المتوقعة، على الأقل من حيث انخفاض العرض العالمي للوقود السائل. بشكل عام، تلاشى مفهوم ذروة النفط من دائرة المناقشات السائدة وكذلك من الأدبيات العلمية".

لكن في المقابل، قد لا يكون هذا الطرح صحيحاً تماماً. فعلى سبيل المثال أعلنت أرامكو السعودية - أكبر منتج للنفط في العالم - في نشرتها للاكتتاب العام الأولي التي صدرت في نوفمبر 2019 أنها تعتقد بأن نمو الطلب على النفط الخام والغاز الطبيعي المكثف والمُسال سيستمر في الاستقرار حتى عام 2035 قبل أن يعود للنمو مرة أخرى. 

من جهتها، توقعت مؤسسة S&P Global Platts Analytics نمو إجمالي الطلب على النفط بشكلٍ ملحوظ اعتباراً من 2030، قبل عودة النمو الهامشي من عام 2035 إلى 2040. وأضافت المؤسسة: "تستند توقعات الطلب لدينا على معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة، ناهيك عن النمو في قطاعي البتروكيماويات وقطاعات النقل".

وفي مقابلة حديثة مع قناة بلومبرغ الاقتصادية، أشار مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إلى أن الاستهلاك العالمي للنفط لم يبلغ ذروته بعد، قائلاً: "في ظل غياب السياسات الحكومية الصارمة، من المتوقع أن يؤدي الانتعاش الاقتصادي المستدام جنباً إلى جنب مع انخفاض أسعار النفط إلى إعادة الطلب العالمي على النفط إلى مستوياته السابقة أو حتى أفضل".
 

بوادر الانتعاش المقبلة

قد لا تكون توقعات قطاع النفط سيئة كما تبدو. فعلى الرغم من الهبوط الحتمي في الاستهلاك العالمي، هناك بعض الإشارات الواعدة بأن النشاط الاقتصادي سيتعافى بشكل تدريجي. ووفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ارتفع الاستهلاك العالمي من البترول والوقود السائل في شهر يونيو بمقدار 10 مليون برميل في اليوم مقارنة بمستويات أبريل، حيث بدأت الاقتصادات حول العالم بالعودة إلى النشاط التجاري بعد أشهر من عمليات الإغلاق. كما تتوقع إدارة معلومات الطاقة الآن بتعافي الطلب على النفط بمقدار 5.3 مليون برميل في اليوم في عام 2021.

وسلطت الوكالة الضوء على جهود منظمة أوبك + لكبح الإمدادات في الآوانة الأخيرة حيث قالت: "أدى الالتزام العالي بصفقة تخفيض الإنتاج والانخفاضات الحادة من المنتجين الآخرين على رأسهم الولايات المتحدة وكندا، إلى خفض إنتاج النفط العالمي بنحو 14 مليون برميل في اليوم منذ أبريل. وشددت الوكالة في تقريرها الصادر في يوليو على أنه في حال استمرت تخفيضات أوبك + كما هو متفق عليه، فقد ينخفض الإمداد العالمي بمقدار 7.1 مليون برميل يومياً خلال 2020 قبل أن يشهد انتعاشاً متواضعاً يبلغ 1.7 مليون برميل في اليوم في العام المقبل.

كما أشارت شركة Rystad Energy في تقريرها: "اتسمت طريقة معظم منتجي أوبك، والعديد منهم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بمرونة عالية في مواجهة تداعيات الوباء عما كان متوقعاً - خاصةً مقارنة بنظرائهم من خارج أوبك مثل الولايات المتحدة (-49 مليار برميل) وروسيا (-31 مليار برميل)".

وقال رئيس قسم التحليلات في الشركة النرويجية للطاقة: " تُعتبر الدول غير الأعضاء في أوبك مسؤولة عن الحصة الأكبر من الموارد المفقودة القابلة للاستخراج. وهناك أكثر من 260 مليار برميل من النفط غير المكتشف الذي أصبح أكثر عرضة للإهمال الآن، خاصة في المناطق الاستكشافية النائية".
 

الأنظار نحو منطقة الشرق الأوسط المعتمدة على النفط 

ستواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديات كبيرة جراء الوضع الراهن، حيث يعتبر قطاع النفط والغاز الأكثر أهمية في العديد من الدول الشرق أوسطية. وتتعرض المنطقة الآن لصدمة مزدوجة تتمثل أولاً في مواجهة الجائحة وثانياً في الانهيار الأخير في أسعار النفط.

وفقاً للبنك الدولي، تتداخل هاتين المعضلتين بشكل قوي: "فمن ناحية، يرتبط عنصر الطلب على الطاقة بالانخفاض الحاد في استهلاك النفط بسبب الإجراءات الاحترازية لوقف انتشار الفيروس، بما في ذلك عمليات الإغلاق الواسعة التي أدت إلى توقف عجلة الاقتصاد في جميع أنحاء العالم".

وأضاف البنك الدولي: "بمجرد وقف انتشار الفيروس، ستتوقف الإجراءات الوقائية التي تساهم في إحداث الركود الاقتصادي. وبالتالي، ستعتمد سرعة الانتعاش الاقتصادي على كيفية الاستجابة الفورية للحكومات من خلال سرعة إقرار البرامج المالية التحفيزية للتخفيف من الاضطرابات الاقتصادية والمالية الناجمة عن الأزمة الصحية. لكن من الناحية الاخرى المتعلقة بمعضلة انهيار أسعار النفط، فمن المرجح استمرار تراجع الأسعار لفترة أطول".

بالإضافة إلى ذلك، أشار البنك الدولي إلى أمرٍ آخر بقوله: "قد يؤدي انخفاض أسعار النفط في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى الإضرار بالمستوردين والمُصدَرين - المُصدّرين مباشرة والمستوردين بشكل غير مباشر - جراء انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر والتحويلات والسياحة والمنح المقدمة من المصدرين. وتمتلك بعض الدول، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، أموالاً احتياطية قد تستخدمها عند الضرورة. بينما هناك دول أخرى مُصدرة للنفط، مثل الجزائر وإيران، تستنفد احتياطياتها وسيتعين عليها الاعتماد على أسعار صرف مرنة لإدارة الوضع الحالي وإجراء إصلاحات مطلوبة بشدة من أجل تطوير القطاع الخاص وإنجاز التحول الاقتصادي الأوسع".

من الواضح أن الوباء لن يؤثر فقط على أسواق النفط، بل سيزيد معدلات البطالة والفقر وسيوسع العجز العام، كما سيؤدي إلى العديد من حالات إفلاس الأفراد والشركات، بالإضافة إلى التأثير السلبي الدائم على اقتصادات ومجتمعات الشرق الأوسط. 
في هذه المنطقة من العالم، ورغم الجهود الحثيثة التي تتخذها الحكومات لتنويع الاقتصاد، لا يُعتبر النفط مجرد سلعة ثمينة فحسب بل يُعدّ شريان الاقتصاد.

من الآن فصاعداً، عند التفكير في الاستثمار في أسهم الطاقة، يجب على المستثمرين النظر والتمعن بكافة التطورات المرتبطة بالوباء. وقد تؤدي أي علامات لعودة الفيروس أو بدء الموجة الثانية من العدوى إلى إضعاف انتعاش قطاع النفط، في حين ستساعد أي أخبار مشجعة حول إيجاد لقاح لفيروس كوفيد-19 في دعم قطاعي السياحة والسفر المتعثرين. ومن المهم أيضاً مراقبة إحصاءات سوق النفط، ليس فقط معدلات الطلب، ولكن أرقام المخزونات ومستويات العرض وقرارات منظمة أوبك. ودائماً نقول أنه في كل أزمة، هناك فرص.
 
أخيراً، تعرضت أسهم شركات النفط لصفعات متتالية منذ أن تسبب الوباء في إحداث فوضى عارمة في جميع أنحاء العالم. ومع وجود تقييمات رخيصة لأداء هذه الأسهم، قد يكون هناك فرص هامة لاكتشافها. من ناحية أخرى، قد يتحول اهتمام المستثمرين نحو أسهم شركات الطاقة البديلة والطاقة المتجددة على وجه الخصوص، لاسيما مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية بأن تصل الاستثمارات في هذا القطاع إلى حوالي 10 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2040.