09 يوليو, 2020

هل غدت أسهم شركات التكنولوجيا هي الرابح الأكبر من أزمة كوفيد-19؟

الكلمات

Bitcoin

سلّطت جائحة كورونا الضوء على اعتمادنا الهائل على قطاع التكنولوجيا، حيث هرع الجميع من شركات وأفراد إلى شبكة الإنترنت للعمل والتسوق والتواصل الاجتماعي. وغدت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل أبل وزووم ونيتفلكس ومايكروسوفت، محل اهتمام القنوات والصحف العالمية خاصة مع انتعاش أسواق الأسهم العالمية من جديد، حيث صعد نجم هذه الشركات بصفتها الرابح الأكبر من هذه الأزمة. لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة للمستثمرين؟

قطاع التكنولوجيا يقود ارتفاعات الأسواق

كان انتعاش أسواق الأسهم العالمية الأخير مذهلاً للغاية. في 3 يونيو، أشارت شركة LPL Financial إلى انتعاش مؤشر اس آند بي 500 بنسبة 37.7 في المئة خلال أيام التداول الخمسين السابقة - وهو أكبر ارتفاع في 50 يوماً في التاريخ. وبنظرة متعمقة إلى السوق، نكتشف بأن القطاع الأهم وراء هذا الأداء الباهر كان قطاع التكنولوجيا.

فقد كانت أعلى خمس علامات في المؤشر تعود لشركات التكنولوجيا: مايكرسوفت على رأس القائمة تليها أبل ثم أمازون وألفابيت وفيسبوك. وقد تصدرت هذه الأسهم المؤشرات الأمريكية منذ الأزمة المالية عام 2008. وعندما عطّل الوباء عجلة الانتعاش الاقتصادي مطلع عام 2020، ارتفع مؤشر اس آند بي 500 بحوالي 400% عن أدنى مستوى له في عام 2009، وارتفع مؤشر ناسداك 100 بأكثر من 700%.

S_P500_Chart

من ناحية أخرى، أدى وباء كوفيد-19 للاعتماد بشكل حاد على شركات التكنولوجيا. ومع اضطرار الملايين من الأشخاص للبقاء في منازلهم بسبب عمليات الحظر والإغلاق، ازدهر قطاع التجارة الالكترونية والخدمات الرقمية، مما أدى إلى نمو هائل لعملاق البرمجيات "مايكروسوفت"، وارتفاع حاد لتجارة التجزئة من خلال موقع "أمازون"، وتهافت شديد على خدمة البث والترفيه "نيتفلكس".

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن هناك رابح آخر في المشهد ألا وهو "Zoom"، شركة المؤتمرات عبر الفيديو التي استخدمها تقريباً كل موظفي المكاتب على الأقل مرة واحدة خلال فترة الحظر. وقفز سهم الشركة من مستوى 20 دولار مطلع هذا العام إلى حوالي 250 دولار في 29 يونيو.

كما شهدت مايكروسوفت طلباً كبيراً على تطبيق مكالمات الفيديو الخاصة بها Teams. وارتفعت أسهمها إلى ما يقرب من 200 دولار أمريكي في نهاية يونيو، بعد أن كانت عتد مستوى 160 دولار في 2 يناير. كما ساهمت عروضها السحابية - بما في ذلك Azure و Office 365 بشكل كبير في الحفاظ على استمرارية الأعمال وتسهيل العمل عن بُعد خلال فترة الجائحة.

Microsoft_chart

بشكلٍ عام، حققت الأسهم المتعلقة بشركات التحول الرقمي أداءً جيداً في الآونة الأخيرة. حيث تقوم هذه الشركات على مبدأ استخدام التكنولوجيا لتحديث العمليات وتعزيز تفاعلات العملاء وتحسين إنتاجية العمال.

وبهذا الخصوص، صرحت ساتيا ناديلا الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت: "مع هيمنة تأثيرات كوفيد-19 على كل جزئية من جوانب عملنا وحياتنا، فقد شهدنا عامين من التحول الرقمي في غضون شهرين فقط".

وأضافت: "هناك طلب مُلحّ وعاجل لإجراء تغييرات هيكلية في جميع مجالات الحلول لدينا، وهو ما سيحدد الطريقة التي سنعيش ونعمل بها من الآن فصاعداً".

وإذا اقتربنا نحو منطقتنا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ندرك بأن أسهم التكنولوجيا تستحق أن يتم متابعتها عن كثب، لا سيما بعد أن شهدت المنطقة أول عمليات الاستحواذ الكبرى، حيث قامت شركة أمازون الأمريكية بالاستحواذ على موقع سوق.كوم في 2017. أيضاً، استحوذت شركة أوبر على شركة "كريم" في عام 2019 مقابل صفقة بقيمة 3.1 مليار دولار أمريكي. ويرى المنتدى الاقتصادي العالمي أن الثورة التكنولوجية في الشرق الأوسط "هامة ومُلّحة" حيث تعتبر المنطقة أرضاً خصبة لظهور الشركات الناشئة. وبهذا المعنى، فإن الثورة التكنولوجية "هامة" لأن المنطقة تملك عدداً كبيراً من الشباب المتمرسين رقمياً مع بعض من أعلى مستويات انتشار الهواتف الذكية في العالم كالبحرين والإمارات العربية المتحدة. بينما هي "مُلحّة" لأن المنطقة تعاني من ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب بما يقرب من 30٪ في العديد من بلدان الشرق الأوسط" حسب المنتدى الاقتصادي العالمي.

التوقعات الاقتصادية القاتمة

أصبح الانفصال بين الأسواق المالية والآفاق الاقتصادية واضحاً للعيان بشكلٍ متزايد. وبدأت البنوك المركزية حول العالم تقديم برامج مالية تحفيزية غير مسبوقة لتجنب الإنزلاق نحو الركود الاقتصادي الذي قد يكون الأشد في البلدان المتقدمة منذ الحرب العالمية الثانية، وفقاً للبنك الدولي.

وفي هذا السياق، قال مدير آفاق مجموعة البنك الدولي، إيهان كوس: "تشير التوقعات الحالية إلى انخفاض متسارع للغاية في توقعات النمو العالمية. وإذا كان الماضي يمثل أي دليل يمكن الاعتماد عليه، فقد يتم إجراء المزيد من التخفيضات على معدلات النمو الاقتصادي في المستقبل القريب، مما يعني أن صناع السياسات يجب أن يكونوا مستعدين لوضع تدابير إضافية لدعم الأنشطة الاقتصادية في بلدانهم".

وخلال تحديث التوقعات الاقتصادية العالمية في يونيو 2020، توقع صندوق النقد الدولي انكماش النمو العالمي بنسبة 4.9 في المئة تقريباً خلال العام الحالي. أما في العام المقبل، سيكون الناتج المحلي الإجمالي العالمي أقل بنحو 6.5 نقطة مئوية مما كان عليه في توقعات ما قبل أزمة كورونا في يناير 2020، حسب صندوق النقد الدولي.

الصورة الاكبر

قبل أزمة كوفيد، ناقش العديد من المحللين بأن أسهم التكنولوجيا كانت مرتفعة الثمن مع تقييمات مبالغ فيها، مما أثار مخاوف من حدوث فقاعة تقنية أخرى.

ولتحديد ما إذا كان تقييم السهم عادلاً أم لا، من المهم النظر إلى آفاق النمو، أي ليس لتوقعات الشركة فقط ولكن الطريقة التي يتغير بها عالمنا. وفي عصر الاضطرابات الشديدة التي نعيشها اليوم، يجب أن ندرك أنه وعلى الرغم من هيمنة قطاع التكنولوجيا وقوته التي لا يستهان بها، يجب أن لا نتغافل عن حقيقة "لا يوجد شيء ثابت أبداً". ولا ننسى أن العلامات التجارية مثل نوكيا وبلاك بيري هي أمثلة حية على هذا الطرح.

وفي تقرير نُشر في عام 2018 حول "الشركات الخارقة"، أشار معهد ماكينزي العالمي أنه في كلا العقدين الماضيين، تراجع 50٪ تقريباً من جميع الشركات الرائدة في السوق عن أعلى مستويات 10٪.

القضايا الاجتماعية والبيئية

كما أشار التقرير إلى أن النمو الكبير للشركات والقطاعات والمدن سيترتب عليه إعادة التفكير بأسئلة جوهرية تتعلق بكيفية اعتماد السياسات المعنية لتشمل الآثار المترتبة على النمو الاقتصادي الشامل، الذي يمكن أن يدعم قطاع التوظيف ونمو الأجور.

وهذا موضوع هام للغاية يجب الانتباه إليه، حيث يمكن تحديد آفاق عمالقة التكنولوجيا من خلال فهم القضايا البيئية والتنظيمية والاجتماعية. في الوقت الراهن، نشهد بدايات رد فعل عنيفة ضد بعض شركات التكنولوجيا بسبب سوء استخدام البيانات الشخصية. وتخضع شركات وسائل التواصل الاجتماعي للتدقيق العالي. وفي هذا السياق، اتُهمت فيسبوك بجمع بيانات المستخدمين لأغراض سياسية من خلال فضيحة حديثة شملت شركة تحليلات البيانات كامبريدج أناليتيكا.

وفي الوقت الحالي، يتزايد القلق من استخدام الشبكات الاجتماعية كمنصات لنشر خطاب الكراهية أو الأخبار المزيفة أو تلك المضللة كالتلاعب بالناخبين. وقد قررت العديد من الشركات بالفعل وقف إنفاقها على وسائل التواصل الاجتماعي في ظل مخاوف حقيقية أن تساهم هذه المنصات في الانقسامات الحاصلة داخل المجتمع الواحد. وكشف استطلاع أجراه الاتحاد العالمي للمُعلنين  (WFA)في شهر يونيو أن ما يقرب من ثلث أقوى العلامات التجارية في العالم ستُعلّق الإنفاق على وسائل التواصل الاجتماعي أو أنها تفكر في ذلك.

وفي معرض حديثه عن هذا الموضوع، قال ستيفان لوركي الرئيس التنفيذي للاتحاد العالمي للمُعلنين: "يشعر المُعلنون ووكالاتهم بالقلق الشديد بسبب انتشار المحتوى غير القانوني والضار على منصات وسائل التواصل الاجتماعي. نعتقد أن هناك الكثير الذي يتعين القيام به لتقليل كمية المحتوى الضار والمثير للانقسام على منصات وسائل التواصل الاجتماعي، ونحن نركز على الحلول التي تضمن عدم حصول الجهات السيئة على تمويل المعلنين بأقصى قدر ممكن".

من ناحية أخرى، سيخضع السجل الأخضر للمجموعات التقنية للتدقيق أيضاً. وقد يكون هذا هو ما دفع شركة أمازون إلى الإعلان في يونيو عن إطلاق صندوق رأسمال استثماري جديد بقيمة 2 مليار دولار أمريكي للاستثمار في التكنولوجيا النظيفة كجزء من الالتزام بحماية المناخ لغرض تخفيف انبعاثات الكربون إلى مستوى الصفر بحلول عام 2040. وقد أصدرت المجموعة 51.17 مليون طن متري من ثاني أكسيد الكربون العام الماضي، أي ما يعادل 13 محطة طاقة تعمل بالفحم تعمل لمدة عام.

وفي هذا الصدد، يهتم المستهلكون بشكل متزايد بمواضيع الاستدامة عند اختيار العلامات التجارية. وقد كشف استطلاع أجرته شركة Nielsen في أغسطس 2018 أن 81% من الذي شملهم الاستطلاع يشعرون بضرورة مساهمة الشركات في تحسين الظروف البيئية. وبعبارة أخرى، إذا لم تقم شركات التكنولوجيا بمواءمة ممارساتها وعروضها مع متطلبات التغيير المطلوبة من المستهلكين، فإنها قد تواجه أوقاتاً عصيبة.

في الختام، أظهرت جائحة كوفيد-19 أهمية دور شركات التكنولوجيا في السماح للشركات وللموظفين بالعمل من المنزل بالرغم من المسافات الشاسعة وعمليات الإغلاق. علاوة على ذلك، تساهم هذه الأزمة الصحية في تسريع حركة بدأت بالفعل نحو التحول الرقمي. لكن رغم ذلك، يجب ألاّ ينجرف المستثمرون وراء ذلك وينبغي عليهم البقاء حذرين حيث يمكن للأمور أن تتحول بسرعة كبيرة، مع أهمية الحفاظ على الوعي والتفكير المتعمق عند اختيار القطاعات المعنية أو الأسهم الفردية.

العودة لصفحة عين على الأسواق