27 أكتوبر, 2020

الاستعداد للحدث الكبير: أثر الانتخابات الأمريكية على الأسواق

الكلمات

Featured-Image.jpg

تشهد الأسواق عادةً تقلبات في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، ولكن يبدو أن هذا العام سيكون أكثر تقلباً من أي وقت مضى.

تتسبب أزمة كوفيد-19 في حدوث فوضى اقتصادية وسياسية متزايدة في جميع أنحاء العالم، أما في الولايات المتحدة فعادةً ما تشير التوقعات إلى أنها تتمتع بما يكفي من القوة لتجتاز مثل هذه الأزمات، غير أن عدد الوفيات الكبير وعدم القدرة في كثير من الأحيان على توقع سلوك الرئيس يتسببان في حالة من عدم اليقين على نطاق غير مسبوق.

وأظهرت الأسواق بالفعل علامات توتر، خاصة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إصابته وزوجته بفيروس كورونا، ليعود ويعلن بعد أيام فقط أنه شُفي من المرض وأنه أصبح يتمتع بالمناعة ضده، لينعكس ذلك مباشرةً على شكل تراجع في أسعار الأسهم. وعلى الرغم من انتعاشها في وقت لاحق، فقد رفعت الحادثة مستويات التقلب وتركت المستثمرين في حالة من التوتر.

وتستحوذ الانتخابات على أذهان المستثمرين أكثر من مرض كوفيد-19، فقد وجد استطلاع أجرته شركة آر بي سي كابيتال ماركتس وشاركت فيه أكثر من 100 مؤسسة استثمارية أن 73% منها تشعر بالقلق من الانتخابات مقابل 68٪ فقط من الموجة الثانية من فيروس كورونا، و63٪ من فقدان المزيد من الوظائف.

 

سباقا الانتخابات نحو مجلسي الشيوخ والنواب سيحظيان كذلك باهتمام كبير 

لا تقتصر الأحداث المهمة في هذه الفترة على نتيجة سباق الانتخابات الرئاسية بين دونالد ترامب ومنافسه الديمقراطي جو بايدن، حيث ستحظى انتخابات مجلس الشيوخ، الذي يهيمن عليه الجمهوريون حالياً، باهتمام كبير لا يقل عن الاهتمام بانتخابات الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون الآن. وقد يؤدي انتصار الديمقراطيين على الجبهات الثلاث إلى وضع المزيد من اللوائح التنظيمية وزيادة الضرائب، الأمر الذي سيُثقل كاهل أسواق الأسهم، مثلما أدى فوز ترامب في الجولة الانتخابية الأخيرة ووعده بإجراء تخفيضات ضريبية مبكرة إلى ارتفاع الأسهم الأمريكية. من ناحية أخرى، قد تترك النتائج المتفاوتة أثراً سلبياً على أسواق الأسهم لأنها قد تهدد إحراز تقدم في تدابير مهمة، مثل إصدار حزم التحفيز الاقتصادي أثناء الجائحة.

وستتفاقم حالة التوتر التي تسود الأسواق بفعل أزمة كوفيد-19، لا سيما مع تزايد أعداد الوفيات في الولايات المتحدة، حيث يبدو أن الرئيس الحالي لا يرغب في فعل ما يكفي لمكافحتها. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حوالي ثلثي الأمريكيين ينتقدون بشدة تعامل ترامب مع أزمة مرض كوفيد-19 وإصابته به، ويأتي ذلك على رأس المخاوف المتزايدة الأخرى مثل العلاقات مع دول منافسة تستعرض قواها، مثل روسيا والصين على وجه الخصوص، والانقسام المتزايد في سياسة الهوية الأمريكية.

ويترك ذلك كله المستثمرين أمام السؤال عن أفضل السبل لإدارة مستويات المخاطر لديهم.

 

تفاؤل كبير في الأسواق في حال فوز ترامب 

تتمثل أولى النتائج التي يجب أخذها بعين الاعتبار في انتصار الرئيس ترامب. ففي عام 2016، أدى فوزه المفاجئ في البداية إلى هبوط حاد وسريع في توقعات سوق الأسهم الأمريكية، بما يتماشى مع المخاوف التي سادت قبل الانتخابات من كونه قد يتسبب في انهيار الاقتصاد والأسواق. فقد سجل مؤشر ستاندرد آند بورز500 انخفاضاً بأكثر من 5٪ في تداول ما قبل افتتاح السوق، مما أدى إلى إيقاف التداول، ولكن لم يدم الانخفاض في السوق طويلاً، إذ بدأ المستثمرون في التفكير في المنافع التي قد تجلبها رئاسة ترامب، مثل التخفيضات الضريبية، فارتفع المؤشر بأكثر من 1٪ قبل إغلاق السوق في اليوم التالي للانتخابات.

أما هذه المرة، تشعر الأطراف الفاعلة في السوق بالتفاؤل عموماً بفوز ترامب، وقد أشارت إلى أن الأسواق ستستقر في حال فوزه بولاية ثانية، ويُعزى ذلك إلى إظهار تأييده للأعمال والتجارة من جهة وإلى ميل الأسواق لعدم التغيير بشكل عام من جهة أخرى. 

Chart_Refinitiv_AR.jpg

سوف يتحول التركيز بسرعة إلى المفاوضات على المحفّزات مع الديمقراطيين، ومن ثم إلى القضايا طويلة الأجل المتعلقة بالصين والاتحاد الأوروبي. كما ستتواصل على الأرجح حالة التشاؤم في السوق فيما يتعلق بالاقتصاد مع استمرار انتشار مرض كوفيد -19 وتراكم ديون الشركات والحكومة، وقد تستمر هذه الضغوط في إلقاء ظلالها على الدولار الأمريكي وأسعار الفائدة. وقد يؤدي ذلك كله إلى استقرار السوق أو حتى انتعاشه قليلاً في حال فوز ترامب، غير أنه لن يحول دون استمرار نقل الأموال إلى ملاذات آمنة مثل الذهب وسندات الخزانة والين الياباني.
الجدير بالذكر أن جو بايدن ما يزال متقدماً بفارق ملحوظ في استطلاعات الرأي الوطنية منذ 22 أكتوبر.
 

المستثمرون يرون أن الأسواق ستتراجع بفوز بايدن

قد يحمل فوز بايدن تأثيراً سلبياً مباشراً على الأسهم الأمريكية بسبب إعلان نيته زيادة الضرائب، كما يشير التراجع في السوق في منتصف أكتوبر إلى اعتقاد المستثمرين بأن فرص بايدن بالفوز تتزايد. ومن جانب آخر، من المتوقع أن تدرس حكومة بايدن قوانين مكافحة الاحتكار، لا سيما فيما يتعلق بشركات التكنولوجيا العملاقة، وعلى الرغم من الأضرار المتوقعة لهذه النقطة أيضاً على المستثمرين، يشعر ترامب كذلك بالقلق حيال قضايا مكافحة الاحتكار كما أن قضية وزارة العدل الأمريكية ضد جوجل لا تزال قائمة.

 

استطلاعات الرأي حول الانتخابات الأمريكية

في حال أُجريت انتخابات الرئاسة لعام 2020 اليوم، فهل ستصوت لصالح الرئيس دونالد ترامب أم جو بايدن؟

Table.PNG

جو بايدن   - دونالد ترامب   - مرشح آخر 

Reuters_Grab-(1).png

ويصح القول أيضاً أن الأسواق تتوقع دائماً تغيُّر مسار الأعمال والاقتصاد في ظل حكومة ديمقراطية، لكن هذا لا يحدث. وبدورها، إذا كانت خطط الطاقة الخضراء لبايدن نذير شؤم لأسعار أسهم الوقود الأحفوري، فإنها تبشر بالخير أيضاً بالنسبة لمصادر الطاقة المتجددة.

ومن جانب آخر، وجد الاستطلاع الذي أجرته شركة آر بي سي كابيتال ماركتس أنه في حال وصل بايدن إلى البيت الأبيض وبسط الديمقراطيون سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، فإن المحللون يرون أن ذلك سيجعل 58٪ من القطاعات تأخذ منحىً هبوطياً أو هبوطياً للغاية، وستسلك 27% منها منحىً محايداً، بينما ستشهد 15% منها منحىً تصاعدياً أو تصاعدياً للغاية، حيث سيعتمد الرئيس بايدن سياسات تحقق نتائج إيجابية بالنسبة لقطاع المرافق ومحايدة بالنسبة لصناديق الاستثمار العقارية وخدمات الاتصالات والسلع الاستهلاكية الأساسية، وسلبية لقطاعات التكنولوجيا والطاقة والسلع الاستهلاكية الكمالية والقطاعين الصناعي والمالي

 

فوز بايدن قد يحمل نتائج إيجابية للسوق

قد لا يكون بايدن رئيساً راديكالياً إلى الدرجة التي يخشاها البعض. فرغم أنه قد يزيد الضرائب والرقابة التنظيمية، لكن قد تكون حكومته أكثر استقراراً من حكومة ترامب، وإن كان هناك ما تحبه الأسواق فهو الاستقرار. وفي حال تمكن بايدن من تخفيف حدة التوترات مع الصين وتقوية علاقات التعاون مع أوروبا وخفض الرسوم الجمركية، فهذا من شأنه أن يزيد قليلاً من القدرة على توقع الشؤون العالمية وقد يشكل أيضاً جانباً إيجابياً كبيراً للأسواق.

ولكن مهما كان الاتجاه هبوطياً في الأسواق بفوز بايدن، فبمجرد انتهاء الانتخابات ستعود الاعتبارات الاقتصادية وليست السياسية إلى صدارة الأولويات، حيث لم تُظهر الأسواق على مر التاريخ أي تحيز واضح تجاه أحد الطرفين.  وفي نهاية المطاف، فإن آراء الرئيس أقل أهمية بالنسبة للسوق من آراء رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي. فقد انهارت الأسواق عندما بدأت ولايات بفرض إجراءات الإغلاق في مارس، لكنها انتعشت مرة أخرى عندما تدخل بنك الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة بوعود بتريليونات الدولارات من المساعدات للشركات المنكوبة.

يشير التاريخ إلى أن ترامب قد لا يُعاد انتخابه إذا ما أُخذت الاعتبارات الاقتصادية في الحسبان. ففي المائة عام الماضية، تمكّن جميع الرؤساء الذين استطاعوا أن يتجنبوا الركود في العامين السابقين للانتخابات من الفوز بولاية ثانية. ولكن يدرك الناخبون جيداً أن أزمة كوفيد-19 هي سبب الانكماش الاقتصادي، وبالتالي من المرجح ألا يلوموا الرئيس على نتائج الخسائر التي تكبدتها السوق. وفي حال فاز ترامب بولاية جديدة، فهذا يعني أيضاً أن أداء الأسواق سيكون أفضل على مدار العام الأول من إعادة انتخابه مقارنةً بأداء رئيس جديد.  فالأسواق تحب ما هو مألوف. لكن الماضي لا يضمن المستقبل، وكان هذا العام مختلفاً تماماً كما يتذكّر معظمنا.

 

الانتخابات غير الحاسمة هي أسوأ نتيجة للأسواق

لعل أسوأ السيناريوهات هو أن تكون نتيجة الانتخابات غير حاسمة، وهو ما يبدو احتمالاً حقيقياً بسبب اعتماد التصويت عبر البريد نظراً لعدم قدرة الناخبين على الخروج من منازلهم بسبب كوفيد-19 وشهدت الأسابيع الخمسة التي سادها الجدل حول نتيجة انتخابات عام 2000 انعكاس اتجاه مؤشر ستاندرد آند بورز 500 التصاعدي في الشهر السابق للتصويت ثم هبوطه بنسبة 12٪ إلى أدنى مستوى له في أواخر ديسمبر،  وقد يكون الخلاف حول نتيجة الانتخابات هذا العام أكثر شراسةً. 

وفي هذا السياق، تحدث ديفيد كوستين، كبير محللي الأسهم الأمريكية في مجموعة جولدمان ساكس، عن إمكانية حدوث نزاع على نتيجة الانتخابات في عام 2020، وحذر بأن ذلك سيؤدي إلى حدوث تقلبات مرتفعة للغاية مقارنة بالدورات السابقة. وبالتالي فإن المجموعة تنصح عملاءها بالتحوط من مخاطر السوق اعتباراً من ديسمبر من أجل تقليل أي خسائر تنجم عن نتائج غير حاسمة. 

ويشاطره الرأي في ذلك تشارلز ليمونيدس، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة فاليو وركس، حيث يقول: "أتوقع إلى حد كبير أنه إذا لم يكن هناك خطاب تنازل على الفور، سواء من الرئيس المنافس أو الحالي، فسيكون ذلك سيئاً للأسواق...سيكون سيئاً جداً. إذ ستنخفض الأسهم إذا لم يكن هناك فائز واضح في يوم الانتخابات، وستكون ذلك "نتيجة سيئة لأمريكا".

 

الهدوء يعود للأسواق بعد الانتخابات

في كلتا الحالتين، لا يمكن أن تستمر جائحة كوفيد-19 إلى الأبد، وتشير كل الاحتمالات إلى حدوث انتعاش اقتصادي حاد في العام المقبل أو الذي يليه. وقد تشهد نهاية الجائحة نزوحاً عن قطاع التكنولوجيا الذي كان أكثر المستفيدين من الأزمة والعودة إلى القطاعات الأكثر دورية التي عانت أكثر من غيرها.
وفي المقابل، من المرجح أن تخف حدة التقلبات التي كانت سائدة قبل الانتخابات بعد صدور نتائجها، وهو يحدث دائماً تقريباً بمجرد أن تتضح التوقعات وتفسح عناوينُ وسائل الإعلام المجال لبعض الموضوعات الأخرى الأكثر إثارة. وعلى الرغم من أن العديد من المستثمرين يزيدون استثماراتهم في الأصول الآمنة نسبياً، فإن التعجيل باتباع أسلوب التوجه للأمان قد يفوّت عليهم اغتنام فرص تظهر في بعض القطاعات اعتماداً على النتيجة الإجمالية.