08 ديسمبر, 2020

الأسواق تنتظر التوصل إلى اتفاق: بريكست يرفع حالة التأهب في الأسواق

الكلمات

Elections_Web.jpg

على الرغم من مضي أربعة أعوام ونصف على تصويت الناخبين البريطانيين على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، إلا أن التأثيرات المستقبلية لهذه الخطوة على العلاقات التجارية للمملكة والأسواق العالمية عموماً ما تزال غامضةً.

ويبدو أن الطرفان قد دخلا بحالة من الجمود في المفاوضات، إذ لا يرغب أي منهما بكشف أوراقه للآخر أو اتخاذ أي خطوة لإحراز التقدم فيها، وسيتعين على الجانبين الرجوع إلى الشروط التجارية الخاصة بمنظمة التجارة العالمية في حال عدم التوصل إلى اتفاق تجاري مع نهاية عام 2020. ومهما كانت النتيجة، سيتوجب على المستثمرين الاستعداد لمجموعة متباينة من الاحتمالات.

وتجدر الإشارة إلى أنه من الصعب توقع جميع هذه الاحتمالات، فعلى الرغم من أن كلا الجانبين مصممين على إتمام المفاوضات، إلا أن كل منهما يسعى ليصب الاتفاق في صالحه، أو إلى عدم معارضته لهذه المصالح على الأقل. ولكن ثمة عامل إضافي بالنسبة للاتحاد الأوروبي، حتى ولو لم يكن معلناً، يتمثل في ضرورة عدم التساهل في شروط الخروج من الاتحاد لعدم تشجيع الدول الأخرى غير الراضية عن حالته مثل اليونان أو إيطاليا على الخروج منه. أما المملكة المتحدة فتبدو عازمةً على الحفاظ على وصولها إلى الأسواق الأوروبية مع رفض القبول بقواعده، مما يجعل من إمكانية التوصل إلى حل شبه مستحيلة.

ولن تفضي المفاوضات بين الجانبين إلى اتفاق قابل للتطبيق دون أن يظهر كلاهما تصميماً أكبر مما أبدياه حتى الآن فيما يتعلق بهذا الأمر. ولكن من المحتمل أن يدرك كلا الطرفين أن هذا الوقت ليس مناسباً لإضافة المزيد من المشاكل إلى العالم في ظل الأضرار التي تسببت بها أزمة كوفيد-19 على التجارة والاقتصادات العالمية، واحتمال دخول السياسة الأمريكية في حالة من عدم اليقين.

المتفاوضون يرون أن التوصل إلى اتفاق ما يزال ممكناً بحيث يعود بالنفع على الأسواق

من المحتمل أن يفضي نجاح المفاوضات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى ارتفاع فوري في أسواق الأسهم العالمية، ولا سيما تلك الموجودة في لندن وأوروبا، مع احتمال ارتفاع الجنيه الإسترليني واليورو على وجه التحديد مقابل العملات الأخرى.

وتجدر الإشارة إلى أن الجنيه الإسترليني ومؤشر فوتسي 100 قد شهدا تذبذباً واضحاً مع إتمام كل خطوة صغيرة أو كبيرة في هذه المفاوضات منذ انطلاقها في نهاية شهر مارس 2017، كما تأخرت سوق الأسهم في المملكة المتحدة عن مثيلاتها في الاقتصادات العالمية الكبرى منذ صدور نتائج الاستفتاء على خروجها من الاتحاد الأوروبي. فعلى سبيل المثال، ارتفع الجنيه الإسترليني بأكثر من 0.8% أمام الدولار الأمريكي خلال يوم واحد بعد أن أشار ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، إلى أن إتمام الاتفاقية التجارية ما يزال ممكناً "إذا كان كلا الجانبين على استعداد لتقديم تنازلات، مع إثبات قدرتهما على إحراز تقدم في الأيام القليلة المقبلة على أساس النصوص القانونية، واستعدادهما لحل نقاط الخلاف التي تشكل بمجموعها المواضيع الأكثر تعقيداً خلال الأيام القليلة المقبلة".

من ناحية ثانية، لا يقع عبء ضعف أداء السوق البريطانية على اتفاق بريكست وحده، إذ تستحوذ شركات النفط على حصة كبيرة من السوق البريطانية بالمقارنة مع معظم الشركات الأخرى، وقد شهدت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً خلال هذا العام بسبب تأثيرات أزمة كوفيد-19 على مستويات الطلب على الوقود. كما اضطرت الكثير من الشركات البريطانية الكبرى إلى تأجيل دفع الأرباح الموزعة نتيجة لانتشار المرض، مما أدى إلى تراجع الاستثمارات في سوق الأسهم. وبينما عاد مرض كوفيد-19 بمنافع على الأسواق التي تتضمن استثمارات كبيرة في القطاع التكنولوجي، فإن ذلك لم يساعد السوق البريطانية نتيجة الانخفاض النسبي لحصة التكنولوجيا فيها.

ومع ارتفاع توتر المستثمرين باستمرار المفاوضات، تتمثل مخاطر التخلي عن الأسهم البريطانية والجنيه الإسترليني في إمكانية عدم حصول أي انتعاش ناتج عن إتمام الاتفاق، بحيث تزداد الخسائر التي تم تكبدها حتى الآن. ومع ذلك، فقد يكون من المفيد التأكد من تنويع محافظ الأسهم بشكل مناسب عبر المناطق الجغرافية المختلفة للتخفيف من التقلبات الحادة في كلا الاتجاهين.

وبالإضافة إلى ما سبق، قد يؤدي نجاح المفاوضات إلى ارتفاع في جميع أنواع الاستثمارات ذات المخاطر العالية، إذ يمكن لردود الفعل الأولية أن تكون إيجابيةً جداً مقارنةً بالآثار السلبية التي يعاني منها المستثمرون في أماكن أخرى، ولا سيما تلك المتعلقة بالأضرار التي وقعت على التجارة والاقتصادات العالمية بسبب أزمة كوفيد-19 منذ شهر مارس الماضي، والانقسام الذي تشهده الولايات المتحدة نتيجةً للانتخابات الرئاسية.

ومن المحتمل أن يقوم المستثمرون بدراسة تفاصيل الاتفاق بعد إتمامه بدقة لتحديد المتطلبات الخاصة بالقطاعات وفئات الأصول المختلفة بغض النظر عن ردود فعلهم الأولية.

تحركات السوق في عام 2016 تُبيّن الاستجابة المحتملة للسوق عند الإعلان عن نتائج المفاوضات

ستشهد الأسواق تراجعاً ملحوظاً في حال فشل المفاوضات ولا سيما بالنسبة لمؤشر فوتسي 100 الذي يشهد تراجعاً من خانتين. أما خارج أسواق لندن والقارة الأوروبية، فإن فشل التوصل إلى اتفاق قد يؤثر سلباً على مستويات الإقبال على المخاطر حول العالم وبالتالي على أسعار الأصول، مما قد ينعكس على معنويات الشركات والمستهلكين، ويتسبب بإطالة أمد حالة الضيق الاقتصادية العالمية الناجمة عن مرض كوفيد-19، بحيث ترتفع الضغوط على معدلات الفائدة وأسعار السلع.

وتبين استجابة السوق الأولية لنتائج الاستفتاء ردود فعلها المحتملة في حال عدم التوصل إلى الاتفاق، إذ انخفض الجنيه الإسترليني وتراجعت الأسهم على عكس الذهب الذي شهد ارتفاعاً كبيراً، في اليوم الأول بعد الاستفتاء في 24 يونيو 2016. كما قام المستثمرون ببيع السندات الخاصة بمنطقة اليورو (إيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال، واليونان)، إلى جانب أسهمهم في البنوك الأوروبية، وتحمّل الجنيه الإسترليني العبء الأكبر من الانخفاض، حيث تراجع في إحدى فترات ذلك اليوم بنسبة 11%، وهو أدنى مستوى له أمام الدولار منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن يشهد انتعاشاً بسيطاً مع انتهاء التداول في بورصة نيويورك حيث بلغت نسبة انخفاضه 8%.

Reuters_Grab.png

وتجدر الإشارة إلى انخفاض مؤشر فوتسي 100 بمعدل 9% عند الافتتاح، ولكن نظراً لكون الشركات المكونة للمؤشر تحصل على 70% من عائداتها من خارج المملكة المتحدة، فقد أعاد المستثمرون النظر في حالة المؤشر، مما أفضى إلى تحسنه عند الإغلاق، إذ وصلت نسبة الانخفاض حينها إلى 3.2% فقط، في حين أغلق مؤشر فوتسي 250 للشركات ذات رؤوس الأموال المتوسطة، والتي تعتمد بشكل أكبر على عائدات المملكة المتحدة، على انخفاض بنسبة 7.2%.

ولم تكن الأسواق الأوروبية أفضل حالاً، حيث انخفض مؤشر يورو ستوكس 600 بواقع 7%. أما في نيويورك، فقد سجل مؤشر ستاندرد آند بورز500 تراجعاً بنسبة 3.6%، مدفوعاً بقطاع الخدمات المالية والقطاع التكنولوجي نتيجة توجه المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن، إذ عانت البنوك وشركات إدارة الأصول من الضرر الأكبر، حيث حدد المستثمرون الأسعار بوتيرة تقل عن معدلات رفع أسعار الفائدة التي حددها مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وأثرت نتيجة استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي على أسهم البنوك والأسواق العالمية الأخرى، إذ تراجع مؤشر نيكاي 225 الياباني بنسبة 7.9%، وانخفض مؤشر إيه إس إكس الأسترالي بواقع 3.2%، أما أسهم بنكي ستاندرد تشارترد وإتش إس بي سي المدرجة على بورصة هونغ كونغ فقد انخفضت بنسبة 10%، بينما تراجع مؤشر يورو ستوكس للبنوك الأوروبية بنسبة 18%. كما شمل الانخفاض البنوك في المملكة المتحدة، حيث سجل كل من البنك الملكي الاسكتلندي وبنك باركليز وبنك لويدز تراجعاً بنسب مئوية من خانتين.

Reuters_Grab.png

وعلى الرغم من الانتعاش الطفيف الذي حققته الأسواق بعد صدمة تداولات اليوم الأول، واصل استفتاء خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إعاقته للأنشطة الاستثمارية والتجارية في الأسواق العالمية، قبل بروز المخاوف الإضافية الناجمة عن الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين.

وكانت أصول الملاذ الآمن المستفيد الأكبر من هذه الظروف، حيث ارتفع الذهب بنسبة 8.1% في اليوم الذي تلى الاستفتاء، وأغلق عالمياً على ارتفاع بواقع 5% تقريباً، حيث استمر بالارتفاع إلى مستويات جديدة نتيجة الاضطرابات التي أحدثتها الظروف التجارية وأزمة كوفيد-19 في فئات الأصول الأخرى، ووصل سعر تداول أونصة الذهب خلال معظم النصف الثاني من عام 2020 إلى ألفي دولار أمريكي أو أكثر. ومن بين أصول الملاذ الآمن الأخرى، ارتفع الين الياباني بنسبة 3.7% خلال يوم التداولات الأول بعد صدور نتائج الاستفتاء، ليصل في بعض المراحل إلى 6.7%، بينما انخفض عائد سندات الخزانة الأمريكية لآجل 10 سنوات بأكثر من 30 نقطة أساس إلى 1.40٪، ما يمثل أدنى مستوى له منذ عام 2012.

كما عانت الأسواق الناشئة من بيع المستثمرين للأصول ذات المخاطر العالية، حيث تراجعت العملات بما في ذلك الراند الجنوب أفريقي، والزلوتي البولندي، والبيزو المكسيكي بواقع أكثر من 3٪.[1]

توقعات بالحفاظ على تنوع المحافظ الاستثمارية حتى بعد التوصل إلى اتفاق

استناداً إلى التوقعات التي ترجح إمكانية عقد اتفاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن التحول السريع نحو الأصول ذات المخاطر العالية ستشكل النتيجة الأولية الأكثر احتمالاً على الرغم من أن الانتعاش طويل الأمد للسوق سيعتمد على طبيعة الاتفاق والتفاصيل الدقيقة المتعلقة به.

ومن المرجح أن يكون أي ارتفاع أولي تشهده الأسواق قصير الأمد، إذ من المحتمل بروز نتائج سلبية على بعض القطاعات في المملكة المتحدة وأوروبا، وبالتالي سيتعين على المستثمرين تقييم الآثار السلبية لهذه النتائج.

ولهذا السبب، من المرجح أن يتجه المستثمرون قليلاً نحو الأصول ذات المخاطر العالية في حال التوصل إلى اتفاق، ولكن مع الحفاظ على تنوع كبير في محافظهم الاستثمارية إلى أن تتوضح تفاصيل الاتفاق بشكل أكبر.