22 يناير, 2021

هل يكون مستقبل عالم المال مرتبطاً بالعملات الرقمية؟

الكلمات

Bitcoin

شهدت العملات الرقمية صعوداً قوياً خلال العام الماضي، وفي شهر يناير من عام 2021 تجاوزت قيمة سوقها العالمية تريليون دولار أمريكي للمرة الأولى في تاريخها، لتعود إلى حيز الاهتمام كإحدى الأصول الاستثمارية.

ولم يكن هذا الصعود القوي متوقعاً في بداية عام 2020، ولا سيما بعد الهبوط طويل الأمد في أسعارها، والقضايا المرتبطة بالجرائم الإلكترونية التي بدت وكأنها قد نجحت بالحد من الطموحات المتعلقة بسوق العملات الرقمية. ومع ظهور أزمة كوفيد-19، حافظت البنوك المركزية على الإجراءات المتخذة لحماية الاقتصادات في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، كما أعادت إحياء برامج التسهيل الكمّي، وأعلنت أن أسعار الفائدة ستبقى منخفضة خلال الأعوام القادمة بالتزامن مع حصول الحكومات على قروض ضخمة لدعم اقتصاداتها.

العملات الرقمية تستفيد من سعي المستثمرين للحصول على القيمة

دفع انخفاض أسعار الفائدة المستثمرين إلى التوجه نحو مصادر بديلة للقيمة، وكانت العملات الرقمية من المستفيدين من هذا التوجه. وكما كان الحال في الأعوام القليلة الماضية، يمكن للأخبار مهما قلّ شأنها أن تؤثر بشكل هائل على قيمة العملات الرقمية. وفي عام 2020، ساهمت رغبة المستثمرين بالحصول على القيمة في تجدد الزخم القوي لعملات رقمية مثل بيتكوين.

Microsoft_chart

وتتواصل تداعيات أزمة انتشار كوفيد-19 في مختلف أنحاء العالم على الرغم من مسارعة الحكومات لتطعيم سكانها ضد المرض الذي قد تستمر تأثيراته الاقتصادية على مدى الأعوام القادمة، ما يعني أن الظروف التي عززت قيمة العملات الرقمية في العام الماضي ستستمر إلى أجل غير مسمى في المستقبل. وبالمقابل، ستوفر هذه الزيادة في القيمة زخماً جديداً بالنسبة لمستويات قبول العملات الرقمية والتحسينات التقنية المرتبطة بها.

وتشير التوقعات التي صدرت مؤخراً عن شركة ماركتس آند ماركتس الرائدة بأبحاث السوق إلى أن قيمة سوق العملات الرقمية ستصل إلى 1.50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025، مسجلة بذلك معدل نمو سنوي مركب بنسبة 6.8%.[i] وعلى الرغم من ذلك، فإن ارتفاع قيمة السوق إلى أكثر من تريليون دولار أمريكي في بداية شهر يناير من العام الجاري يشير إلى أن هذه التوقعات قد تتحقق خلال وقت أقرب مما كنا نتصور.

ولا يقتصر السعي للحصول على القيمة في الأسواق خلال فترة انخفاض أسعار الفائدة وتراجع الدولار الأمريكي على المستثمرين من الأفراد فحسب، وإنما يمتد ليشمل البنوك والمستثمرين من المؤسسات أيضاً. وتتمثل أحدث الأمثلة على ذلك في بانكو بيلباو فيزكايا أرجنتاريا، ثاني أكبر بنك في إسبانيا، حيث أشارت التقارير إلى أنه كان يخطط في شهر ديسمبر 2020 لإطلاق منصة لتداول وحفظ العملات الرقمية.[ii]

ارتفاع القيمة أصبح مقبولاً بشكل أكبر من عام 2017

واجه الصعود القوي لقيمة عملة البيتكوين شكوكاً كثيرة في عام 2017، إلا أن ارتفاع قيمتها في عام 2020 لاقى قبولاً واسع النطاق. ويشكل ذلك استمراراً للمكاسب التي حققتها العملة الرقمية قبل أزمة كوفيد-19. وفي عام 2019، أصبح جي بي مورجان أول بنك أمريكي يقوم بطرح عملة رقمية لتحل مكان العملات الورقية. ويسهم حل العملة المستقرة الذي طرحه هذا البنك الاستثماري في خفض تقلبات السوق عبر ربط قيمتها بقيمة مجموعة متنوعة من الأصول أو العملات الورقية، ما يتيح إمكانية استخدامه كوسيلة للدفع ومحفظة للقيمة في نفس الوقت. ويشابه ذلك مشروع ليبرا الذي طرحته شركة فيسبوك منذ فترة طويلة، والذي قد يتم إطلاقه في بداية هذا العام وفقاً لتقارير عدة.[iii]

ويمكن أن تصبح الصين قريباً أول دولة تقوم بإصدار عملة رقمية من البنك المركزي، حيث بدأت اختباراتها فعلياً في عدد من المدن الرئيسية مثل بكين وهونغ كونغ.[iv] وقام الاتحاد الأوروبي أيضاً بإطلاق تجارب لإثبات مفهوم مشروعه الخاصة بالعملة الرقمية يوروتشين في نهاية عام 2019، على الرغم من عدم وجود خطط ملموسة حتى الآن لطرح العملة الرقمية على مستوى القارة الأوروبية. كما أعلنت بورصات مالية عالمية عن خطط لزيادة التداولات في الأصول الرقمية ضمن بيئة منظّمة.

التحول الرقمي للقيمة

سلطت شركة ماركتس آند ماركتس المتخصصة بأبحاث السوق الضوء على فرص النمو الكبيرة للعملات الرقمية في الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء بالقول: "توفر أساليب الدفع باستخدام العملات الرقمية عدداً من المزايا المهمة مثل تعزيز أمن المعاملات، والحماية من حالات الاحتيال، والطابع اللامركزي لنظامها، وانخفاض رسومها، والحماية من عمليات استعادة الرسوم الاستهلاكية، وسرعة تنفيذ الحوالات المالية على المستوى الدولي. علاوة على ذلك، يواصل عدد كبير من اللاعبين في القطاع الاستثمار في تطوير بوابات ومنصات خاصة بعمليات الدفع بعملاتهم، وبالتالي زيادة اعتماد العملات الرقمية في تنفيذ عمليات الدفع".

وتساعد تقنية السجلات الموزعة الخاصة بالعملات الرقمية على الحد من الحاجة إلى الوسطاء وزيادة مستويات الشفافية، ولذلك فقد أصبحت المعاملات أكثر عدالة وفعالية من حيث التكلفة. ويشكل ذلك إحدى المزايا المهمة بالنسبة للملايين من الناس الذين لا يتمتعون بوصول كافٍ إلى الخدمات المصرفية.

ومن ناحية ثانية، أشار بنك التسويات الدولية ضمن تقريره الصادر في عام 2019 حول تأثيرات العملات المستقرة العالمية إلى أن "أنظمة الدفع الحالية لا تزال تعاني من نقطتي ضعف رئيسيتين تتمثلان في انعدام قدرة شريحة ضخمة من سكان العالم على الوصول إلى الخدمات المالية، وعدم كفاءة خدمات مدفوعات التجزئة العابرة للحدود. وعلى المستوى العالمي، يتعذر على 1.7 مليار شخص بالغ الوصول إلى حسابات المعاملات على الرغم من أن 1.1 مليار شخص منهم يمتلكون هواتف محمولة".

الحاجة إلى تحسين القوانين واللوائح التنظيمية

على الرغم مما سبق، لا يزال هنالك محاذير كثيرة حول الاعتماد الجماعي للأصول الرقمية، بما في ذلك انعدام اليقين بشأن حالتها التنظيمية، والمخاوف المتعلقة بالأمن والخصوصية والرقابة، والتحديات التقنية المرتبطة بقابليتها للتوسع.

ويضيف تقرير بنك التسويات الدولية: "بالنظر إلى الإمكانات المبتكرة لتقنياتها الأساسية، فقد تم تطوير الأصول الرقمية أساساً لمعالجة هذه التحديات. إلا أنها عانت حتى الآن من عدد من المعوقات، ليس أقلها التقلبات الشديدة في الأسعار. ومن هنا، فقد تم استخدام الأصول الرقمية كإحدى فئات الأصول للمضاربة بالنسبة لفئة معينة من المستثمرين وعدد من الأشخاص المتورطين في أنشطة غير مشروعة بدلاً من استخدامها كوسيلة للدفع".

ويعمل البنك، إلى جانب العديد من المؤسسات الأخرى المذكورة أعلاه، على استكشاف إمكانات العملات المستقرة لحل هذه المشكلات. ولكن باعتبارها من التقنيات حديثة العهد، فلم يتم اختبارها بشكل كافٍ حتى الآن. ولا تزال الأصول المالية الرقمية في بداياتها، ويبقى مستقبلها مرهوناً بمدى قبول البنوك المركزية لها، واعتمادها من قبل القطاع المالي بأكمله في جميع الدول.