30 يوليو, 2020

هل سيُغيّر كوفيد-19 المشهد الاستثماري للعملات الرقمية؟

الكلمات

 

أجبر وباء كوفيد-19 العالم على الانتقال الكلي إلى شبكة الانترنت حيث شهدنا تسارعاً حقيقياً في مجال التحول الرقمي وبرزت الضرورة المُلحّة للتعاملات الإلكترونية.لكن ما انعكاس ذلك على العملات الرقمية؟ هل ستستفيد هذه العملات من هذا التحول، أم أن مستقبلها المنظور سيبقى محكوماً بالمخاوف؟

المستثمرون يبحثون عن أصول جديدة

في 11 مارس 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية (WHO) أن فيروس كورنا المستجد بات وباءً عالمياً. وتفاعلت الأسواق المالية مع هذا الخبر على الفور حيث أصيب المستثمرون بالذعر وبدأت موجة عمليات بيع الأسهم تجتاح الأسواق. وفي الولايات المتحدة، هوى مؤشر داو جونز بنسبة 10 في المئة في ذلك اليوم، وهو أسوأ أداء يومي له منذ انهيار الاثنين الأسود عام 1987. ما اضطر المسؤولين عن وول ستريت لإيقاف التداول لتجنب خسائر أكبر.

كما حذّر صندوق النقد الدولي في ذلك الشهر من أن العالم سيشهد أسوأ أزمة ركود اقتصادي له منذ الكساد الكبير. وفي تطور تاريخي غير مسبوق، تحولت أسعار النفط إلى قيمة سلبية في أبريل (راجع تحليلنا السابق لاستثمارات الطاقة).

من ناحية أخرى، أشار مجلس الذهب العالمي بأن الطلب العالمي على الذهب كان ثابتاً في الربع السنوي الأول من عام 2020 عند 1.083.8 طناً، في حين اجتذبت الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب تدفقات ضخمة قدرت بأكثر من 298 طناً.

وقد سلّط هذا الوضع الطارئ الضوء على أهمية الاستثمارات البديلة، خاصة الأصول النقدية غير التقليدية مثل العملات الرقمية.

استمرار وتيرة التقلبات

أفادت مجلة CoinTelegraph أن العملات الرقمية لاقت رواجاً كبيراً في الأشهر القليلة الماضية. ومع ذلك، لم يُترجم هذا إلى ارتفاع حقيقي في الأسعار. وبشكلٍ مشابه للأصول المالية التقليدية، واجهت بيتكوين، العملة الرقمية الأكثر شعبية، تحديات بعد انهيار سعرها بنسبة 37 بالمائة في يوم واحد في منتصف مارس. بينما بدأ سعرها بالتعافي منذ ذلك الحين، ويرجع ذلك جزئياً إلى عملية "تنصيف البيتكوين" التي جرت في 11 مايو عندما كان من الصعب استخراج العملات المعدنية، وهي عملية تحدث بشكل منتظم لدعم السوق

Source: Refinitiv

 

في حين تم توثيق الارتفاع السريع للعملة الرقمية منذ إنشائها. مع ذلك، كان أداء البيتكوين متقلباً للغاية، مثل العديد من العملات الرقمية الأخرى، كما يوضح الرسم البياني أدناه:

Source: Refinitiv

 

في هذا السياق، حذر بنك غولدمان ساكس مؤخراً في نظرته للأسواق من التقلبات التاريخية للبيتكوين (والتي تقدرها بنسبة 76 بالمائة سنوياً) وأكد بأن العملات الرقمية "لا تعتبر من فئات الأصول".

وأشار البنك بقوله: "نعتقد أن المنتجات المالية، التي يعتمد صعودها بشكل أساسي على استعداد شخص آخر لدفع مبلغ أعلى لشرائها، لا تُعدّ استثماراً مناسباً لعملائنا".

Source: Refinitiv, Goldman Sachs

 

وأشار غولدمان ساكس إلى "أنه وعلى الرغم من أن معظم السجلات الخاصة بالعملات الرقمية هي سجلات عامة ودائمة وقابلة للتدقيق، إلا أن العملات الرقمية تُحرّض على الأنشطة غير المشروعة مثل مخططات بونزي وبرامج الفدية وغسيل الأموال وأسواق Darkent".

بالإضافة إلى ذلك، أكد بنك غولدمان ساكس أن السوق يعاني من انعدام الثقة بهذا القطاع حيث لا تزال أصول بيتكوين محاطة بالسرية التامة. وقي قلب فضاء البيتكوين، هناك البلوكتشينblockchain ، وهو سجل لامركزي مع إمكانات تعطيل كبيرة ظهرت لأول مرة عام 2008 ضمن ورقة بحثية نشرت في مجتمع غامض على الإنترنت. بينما لا تزال الهوية الحقيقية لمؤسسه غير معروفة حتى يومنا هذا، حيث تكثر العديد من النظريات حولها.

رغم ما سبق، واصلت بيتكوين نموها وهي الآن العملة الرائدة في السوق بلا منازع، مع رأسمال يُقدّر بحوالي 170 مليار دولار أمريكي من السوق الإجمالية التي تزيد قيمتها على 260 مليار دولار أمريكي حسب أرقام Coinmarketcap. وفي الوقت الراهن، يوجد المئات من العملات الرقمية، مع غيرها من العملات الرائجة مثل ايثريوم و Tether و XRP.

على صعيد مختلف، شهد سوق العملات الرقمية الكثير من الفضائح والتي كان آخرها اختراق موقع تويتر في شهر يوليو الجاري حيث تم استهداف حسابات شخصيات بارزة، مثل باراك أوباما وكاني ويست وأصحاب المليارات بما في ذلك: إيلون ماسك وجيف بيزوس وبيل غيتس، وذلك في إطار عملية احتيال صارخة ذات صلة بالبيتكوين. قبل ذلك، سيطرت سرقة  Mt.Gox  على العناوين الإخبارية الرئيسية في عام 2014.

آراء متناقضة

هناك دائماً جانباً آخر للقصة. في آخر تقرير لها عن توقعات العملات الرقمية، ناقشت وكالة بلومبرغ الاقتصادية بأن عدم ارتفاع سعر البيتكوين يعني أن "شيئاً ما حدث بطريقة غير صحيحة". وترى بلومبرغ أن الابتعاد الكبير عن النقود الورقية، كما رأيناه خلال عمليات الإغلاق الأخيرة، بالإضافة إلى المبالغ الكبيرة من برامج التيسير الكمي سوف تدعم صعود هذه المنتجات التي توصف بأنها "مخزن مستقل للقيمة" مثل الذهب والبيتكوين.

وذكر التقرير أيضاً: "يتمحور هذا العام حول العوامل الفنية والأساسية التي تصب بشكل متزايد في مصلحة البيتكوين، وبشكل أقل في مصلحة سوق العملات الرقمية بشكل عام. وقد أغلقت بيتكوين تعاملاتها في عام 2019 عند سعر 7000 دولار، بالقرب من الجزء السفلي من نطاقها. وفي العام الماضي، وصل أعلى ارتفاع للبيتكوين عند حوالي 14000 دولار، وهو ما سيترجم إلى الضعف تقريباً في عام 2020 إذا استمرت حركة البيتكوين في التحرك ضمن نفس النطاق الأخير. إلى جانب ذلك، نلاحظ أن نفس القوى التي تدعم الذهب تدعم البيتكوين على حد سواء، ولكن الفرق أن المعروض من العملات الرقمية مُقيّد أكثر".

بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 وعمليات الإنقاذ للمؤسسات المالية الكبرى، بدأ لاعبو السوق يساورهم الشك إزاء عمل المؤسسات المالية التقليدية والبنوك المركزية وكيفية هيمنتها على إصدار العملة. وهذا ما دعم التوجه نحو إنشاء عملات بديلة مثل البيتكوين وغيرها كوسيلة أخرى لتحدي هذا النموذج.

مراقبة إجراءات البنك المركزي

على الرغم من أن العملات الرقمية لا تعتبر مناقصة قانونية، إلا أنها قد تتحدى أنظمة الدفع التقليدية المعتمدة على البنوك. بينما أصبحت أكبر البنوك المركزية في العالم أكثر انفتاحاً على العملات الرقمية، خاصة بعد أن ركزت جائحة كورونا على نقاط الضعف في التعاملات القائمة على الأموال النقدية.

في الواقع، كانت البنوك المركزية مهتمة بهذا التحول حتى قبل وقوع هذه الأزمة الصحية، حيث أعلن بنك التسويات الدولية (BIS) في عام 2019 أن "أسلوب الدفع أصبح يتغير بخطى متسارعة حيث يتوقع المستخدمون دفعات أسرع وأسهل في أي مكان وبأي وقت، مما يعكس تحولنا بشكل أكبر نحو الأتمتة والتحول الرقمي".

علاوة على ذلك، تبحث العديد من البنوك المركزية في إنشاء شكلها الخاص من العملات الرقمية أو ما يسمى “CBDCs، والتي يمكن أن تستبدل النقود التقليدية في مرحلةٍ ما. وفي الوقت الراهن، تقوم مجموعة مؤلفة من بنك التسويات الدولية وبنك كندا وبنك إنكلترا والبنك المركزي الياباني والبنك المركزي الأوروبي وبنك Sveriges Riksbank  والبنك الوطني السويسري بدراسة السيناريو المحتمل لوضع CBDCs في ولاياتهم القضائية المحلية.

وبهذا المعنى، كتب دونغ هي، نائب مدير إدارة أسواق النقد ورأس المال في صندوق النقد الدولي في منشور يقول فيه: "يمكن أن تساعد العملات الرقمية البنوك المركزية في مواجهة القوة الاحتكارية التي يمكن أن تمنحها العوامل الخارجية على شبكات الدفع الخاصة. أيضاً قد تساعد العملات الرقمية في تخفيض تكاليف المعاملات بالنسبة للأفراد والشركات الصغيرة التي لديها دخول محدود أو مُكلف للخدمات المصرفية، بالإضافة إلى إنجاز المعاملات عن بُعد. وعلى عكس الأموال النقدية، لن تكون العملة الرقمية محدودة في عدد فئاتها".

وأشار المسؤول البارز في صندوق النقد الدولي في منشوره أيضاً: "على عكس التحويلات المصرفية، يمكن تسوية معاملات الأصول المشفرة بسرعة وبدون وسيط، مما قد يجعل النظام الخاص بك أكثر إنصافاً". وأضاف: "الجميع يحب نظام الدفع الالكتروني عبر الحدود، إلا أنه عادة ما يكون مُكلفاً للغاية ومُرهقاً وغير شفاف. كما أن الخدمات الجديدة التي تستخدم تقنية السجلات الموزعة وأصول التشفير قد قلصت وقت إنجاز المدفوعات عبر الحدود من أيام إلى ثوانٍ معدودة من خلال تجاوز شبكات البنوك المقابلة".

وفي إشارة إلى آفاق العملات الرقمية، قال دونغ هي: "لا يمكننا استبعاد إمكانية تطبيق بعض الأصول الرقمية على نطاق أوسع وإنجاز المزيد من وظائف المال في بعض المناطق أو شبكات التجارة الإلكترونية الخاصة."

أما إذا انتقلنا إلى منطقة الشرق الأوسط ، فقد أعلنت مؤسسة النقد العربي السعودي والمصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة في يناير 2019 أنهما سيطلقان مشروع العملة الرقمية المشتركة Aber لاستخدامها في التسويات المالية بين بلديهما من خلال تقنياتblockchains  والسجلات الموزعة.

أما من حيث تنظيم العملات الرقمية، يُعدّ سوق أبوظبي العالمي ومملكة البحرين أول مُنظميّن في المنطقة لدراسة هذا القطاع المالي الجديد الناشئ من التكنولوجيا المالية.

وعلى هذا الصعيد، أصدر سوق أبوظبي العالمي توجيهاً يُنظّم عروض العملات / الرموز الأولية والعملات الافتراضية في أكتوبر 2017. وأعقب ذلك في وقت لاحق في يونيو 2018 بإصدار توجيهاً آخر يُنظّم أنشطة الأصول الرقمية في سوق أبوظبي العالمي.

وفي الوقت نفسه، سجلت البحرين المركز الأول في المنطقة في فبراير 2019 عندما نشرت أحدث اللوائح والتوجيهات التنظيمية بشأن عمل الأصول الرقمية ضمن المعيار المعتمد لدى مصرف البحرين المركزي. ويشرف التوجيه على الأمور التنظيمية بما في ذلك الترخيص والامتثال والحوكمة ورأس المال والأمن وتخفيف المخاطر وإصدار التراخيص لخدمات الأصول الرقمية المنظمة.

أخيراً تشير التقديرات إلى وجود احتمال تعطل النظام النقدي للعملات. لكن من الصعب توقع ما إذا كانت البيتكوين أو أي عملة رقمية أخرى ستتصدر هذا السباق المحموم للوصول إلى التغير النهائي لمسار العملات. ومع ذلك، في العقد الماضي، وعلى الرغم من الانتكاسات، اكتسبت العملات الرقمية أهمية بين المستثمرين وهي تعتبر الآن لاعباً رئيسياً في مستقبل المال والمعاملات.