22 أكتوبر, 2020

دليلك إلى التداول في ظل التوترات الجيوسياسية الاستثمار وسط التوترات الجيوسياسية

الكلمات

مع نهاية القرن العشرين، سقط الستار الحديدي الذي كان يطوّق دول أوروبا الشرقية ليشهد العالم بعدها بداية مرحلة جديدة خالية من التوترات الجيوسياسية. ولكن ما لبث هذا المناخ السائد أن تبدل، فقد شهد العالم منذ بداية عام 2020 الاستثنائي أحداثاً زعزعت استقرار الأسواق العالمية كما في القرن الماضي، بل أكثر على ما يبدو.

وشهدنا منذ بداية هذا القرن ثلاثة أحداث جيوسياسية مزلزلة، بدءاً مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية في عام 2001، مروراً بالأزمة المالية العالمية، ووصولاً إلى جائحة كوفيد-19 التي نعيشها اليوم. كما شهدنا ازدياداً مضطرداً في النزعة الشعبوية في عدد من دول العالم المتقدمة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بناءً على نتائج الاستفتاء الشعبي للبريطانيين.

ومع تراجع الولايات المتحدة عن دورها على المسرح العالمي بوصفها شرطي العالم، وهو الدور الذي كانت تلعبه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى وقت قريب، تشجّع لاعبون دوليون آخرون مثل الصين وروسيا وتركيا على لعب أدوار أكبر على مستوى المنطقة والعالم. فمن جانبها، تعمل الصين على تقوية نفوذها العالمي عبر تنفيذ مبادرتها الحزام والطريق، التي تعيد إحياء طريق الحرير التجاري القديم، وهو ما يثير القلق نظراً لاستمرار تدفق اللاجئين الهاربين من مناطق الحروب في العراق وأفغانستان، دون أن ننسى الفوضى المستمرة التي تعيشها سوريا أيضاً منذ سنين.

وعلى جانب آخر تزداد حدة التوترات في إيطاليا، الأمر الذي قد يقود في نهاية المطاف إلى تفكك الاتحاد الأوروبي. هذا إضافة إلى التهديد المستمر للأفعال غير المتوقعة من طرف كوريا الشمالية، والتوترات حول ملف إيران، والخوف المستمر من أية هجمات إرهابية جديدة واحتمال حصول هجمات إلكترونية كُبرى وغير ذلك.

ويمكن القول بأن أية اضطرابات جيوسياسية ستلقي بآثارها على الأسواق بمختلف فئات أصولها في جميع أنحاء العالم. وهنا يكمن التحدي الذي يواجه المستثمرين للبحث عن سبل تقليل المخاطر، من خلال حسن الاطلاع على المعلومات والمستجدات والاستعداد لأسوأ الاحتمالات بأفضل شكل ممكن.

وتُصنَّف المخاطر عموماً ضمن ثلاثة بنود عريضة، أولها الأحداث غير المتوقعة إطلاقاً، مثل هجمات سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001؛ وثانيها تلك التي تنمو وتكبر بشكل تراكمي بمرور الوقت، وأبرز أمثلتها التوتر في العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين؛ أما ثالثها فتقع في تواريخ محددة، كالتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) على سبيل المثال. وفي حين أن تلك الهجمات الإرهابية في 2001 جاءت دون سابق إنذار وبالتالي لم يُحسب لمخاطرها حساب في الأسواق العالمية، إلا أن اندلاع الحرب التجارية والبريكست تعتبر أحداثاً متوقعة ما أتاح القدرة على احتساب كلفة أضرارها في أسعار السوق جزئياً.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا بد من التهيؤ بشكل خاص لكل نوع من المخاطر المختلفة.

تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية قد تكون قصيرة الأمد

تؤثر الأحداث الطارئة، مثل الهجمات الإرهابية الكبرى أو اندلاع الحروب، على الثقة بالسوق، ما يتسبب في سحب المستثمرين لرؤوس أموالهم من الأصول الخطرة وتحويلها إلى الملاذات الآمنة مثل النقد والذهب والسندات والأسهم الدفاعية. ومع ذلك، عادةً ما تدوم آثار تلك الصدمات التي تعيشها الأسواق لوقتٍ قصير، إذ سرعان ما يزول أثرها بمرور الوقت الذي يتيح الفرصة لتقدير الأضرار اللاحقة بالاقتصادات وأسعار الأصول.

واعتماداً على مكان وقوع الهجوم الإرهابي أو الأطراف المشاركة -بشكل مباشر أو غير مباشر- في حرب ما، يتأثر الطلب إلى حد ما على صورة انخفاض في الاستهلاك أو انقطاعاً في الإمدادات. ويكون التأثير ملحوظاً بشكل خاص في الاقتصادات القائمة على التصدير.

أما فيما يتعلق بالاستثمار بأسواق الأسهم في الدول المتقدمة، ينبغي على المستثمرين مراعاة عوامل أخرى عند شراء أو بيع الأسهم، ومنها السياسات النقدية والبيانات الاقتصادية ونتائج الشركات، والتي غالباً ما تتصدر الأولوية في أذهان المستثمرين بمجرد مرور الصدمة الأولية. فحتى بعد وقوع حدث محوري مثل هجمات سبتمبر 2001، التي تسببت بهبوط قيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 12% خلال الأسبوع التالي لها، تعافت الأسواق من خسائرها خلال 25 يوم عمل، مما يعني أنه في حال كانت الظروف الاقتصادية متينة، من المرجح أن تستطيع الأسواق تعويض الخسائر. فحتى خلال أزمة كوفيد-19 التي اجتاحت العالم برمته، استطاعت أسواق الأسهم الأمريكية التعافي بشكل تام من الخسائر الفادحة التي لحقت بها في شهر مارس والعودة إلى أفضل مما كانت عليه.

وبصورة عامة، حينما تعاني الأسواق من استمرار التدهور على الأمد الطويل بعد الاضطرابات الجيوسياسية، فهذا مؤشر على وجود عوامل سلبية أخرى تساهم في هذا التراجع. فعلى سبيل المثال، جاء التراجع في السوق بعد أزمة أسعار النفط عام 1973 نتيجةً لفضيحة ووترجيت ومعدلات البطالة المرتفعة. وبصورة مشابهة، تزامنت أحداث تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا مع ذروة الأزمة المالية الآسيوية وتخلُّف روسيا عن سداد ديونها.

 

المخاطر الجيوسياسية طويلة الأجل تتطلب تهيئة الموقف الاستثماري على أمد أطول

تأخذ بعض المخاطر الجيوسياسية وقتاً زمنياً أطول لتنكشف معالمها، ويتطلب هذا الصنف من المخاطر بالذات تهيئة موقف استثماري طويل الأجل. وتُشكّل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعد المماطلات خير مثالين على ذلك.

وتوقف نمو إنفاق رأس المال التجاري منذ استفتاء الاتحاد الأوروبي في يونيو 2016، بعد أن حقق توقعات أقل من المتوقع حتى قبل التصويت. وبناءً عليه، تقلص النمو الاقتصادي للمملكة المتحدة إلى ما دون متوسط الدول السبع الكبرى بعد أن كان أعلى منه، وسجل مؤشر فوتسي 100 أداء ضعيفاً في أسواق الأسهم العالمية. [1]

أما آثار الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة يصعب تمييزها وتحديدها بدقة، إذ أظهر الاقتصاد الأميركي تماسكه في عهد إدارة الرئيس ترامب، لكن هذه الحرب التجارية ستحمل في طياتها آثاراً سلبية على الأمد الطويل، خصوصاً مع تعليق الكثير من الشركات لاستثمارات رأس المال بسبب مخاوفها من المنحى الذي تسلكه التجارة مستقبلاً. وقد تشكل هذه الحرب دعماً لأسواق الأسهم الأمريكية إلى حد ما، حيث كان للتوترات مع الصين تأثيراً غير مباشر على الأسواق الناشئة التي شهدت إعادة توجيه بعضٍ من رؤوس المال نحو الولايات المتحدة.

وتُظهر قوة أسواق الأسهم الأمريكية خلال الحروب التجارية أيضاً مرونة الاقتصادات المرتكزة على الاستهلاك المحلي أكثر من اقتصادات الأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل أكبر على التجارة الدولية، حتى عندما تكون في مركز المخاطر الجيوسياسية.

 

التأثيرات الواضحة لأسواق الفوركس على العملات المرتبطة بالسلع والتصدير

غالباً ما يعكس سوق العملات التأثيرات الأكثر دراماتيكيةً الناجمة عن الصدمات الجيوسياسية. فعندما يبيع المستثمرون أسهمهم وقت حدوث أزمة، فإنهم غالباً ما يعيدون استثمارها على شكل أصول أكثر أماناً بعملتهم المحلية، أما المستثمرون الدوليون غالباً ما يهجرون الاقتصاد بشكل كامل ويحولون أصولهم إلى عملات أخرى.

ويمكن لبعض العملات أن تتكبد خسائر فادحة، وخاصة العملات المرتبطة بالسلع والتصدير، كما لاحظنا خلال جائحة كوفيد-19، وهو ما يُعزى لخشية المستثمرين أن يؤدي استمرار المخاطر لفترة طويلة في منطقة رئيسية أو اقتصاد رئيسي إلى إعاقة النمو الاقتصادي في نهاية المطاف وبالتالي الإضرار بالطلب على المواد الخام والسلع. ولا يقتصر تأثير هذا الأمر على عملات الأسواق الناشئة، بل قد يطال العملات المرتبطة بالسلع مثل الدولار الأسترالي والكندي والنيوزيلندي. وبدلاً من ذلك، يحوّل المستثمرون الحذرون أموالهم إلى عملات الفرنك السويسري والين والدولار الأمريكي واليورو بشكل متزايد.

الاستعداد بالشكل الأفضل

ينبغي على المستثمرين التداول بسرعة في خضم الأحداث الجيوسياسية الكبرى، حيث قد تتسارع حركة الأسواق وترتفع وتيرة إعادة التخصيص بين فئات الأصول والمناطق الجغرافية، التي قد تتحرك بشكل مغاير تماماً عن بعضها بعضاً. ويجب على المستثمرين في الأسهم أيضاً الإسراع في تقييم الآثار المترتبة على أسهم وقطاعات بعينها. فعلى الرغم من الانخفاض الهائل الذي عاشته سوق الأسهم في مارس مع بدء تفشي جائحة كوفيد-19 على نطاق عالمي، شهدت أسهم الشركات التكنولوجية ارتفاعاً كبيراً كاد يحقق أرقاماً قياسية غير مسبوقة.

ومن الحكمة بالطبع الاستعداد للأحداث قبل وقوعها، عوضاً عن الانتظار واتخاذ الإجراءات بعد حدوث المشكلة، إذ ينتشر عدد من التقارير حول المخاطر السياسية وتلك الخاصة بالدول، إلى جانب أخبار وتحليلات تتناول جميع الجوانب الجيوسياسية، إضافة إلى مقاييس المخاطر الجيوسياسية المختلفة، ومنها مؤشر المخاطر الجيوسياسية للباحثَين داريو كالدارا وماتيو إياكوفيلو. ويُعد هذا المؤشر مقياساً مرجعياً لعناوين الأخبار المتعلقة بالتوترات الجيوسياسية أو الحروب أو الإرهاب، ويستند إلى نتائج البحث الآلي في نصوص الأرشيف الإلكتروني لـ 11 صحيفة وطنية ودولية.

ويجب على المستثمرين أيضاً تجهيز أنفسهم للأحداث السلبية الكبرى من خلال وضع استراتيجية استثمار شاملة للمخاطر الجيوسياسية الأعلى احتمالاً أو الأكثر تأثيراً، وهو ما يعني أساساً وضع لائحة بالمخاطر الحالية والعمل باستمرار على تحديثها.

وبعد وضع اللائحة بالأحداث السلبية الأكثر احتمالاً، يجب على المستثمرين تحليل كل منها من حيث النتائج السلبية المحتملة، واحتمالية ومدى تأثر السوق المعني بكل من تلك الأحداث، وهذا يشمل تحديد مدى تضمين كلفة كل من تلك الأحداث في أسعار السوق.

وتتمثل الخطوة التالية في تخمين الأثر المحتمل على الأرباح والخسائر لكل أصل بعينه، بناءً على تحليل ظروف السوق الحالية والبيانات التاريخية.

وأخيراً، يجب تطبيق مُخرجات عملية تقييم المخاطر تلك على محفظة الأعمال بهدف ضمان تنوعها بشكل كافٍ لتقليل الخسائر.

ونظراً لإمكانية تغير الظروف الجيوسياسية بسرعة، تتطلب مواكبة التطورات تخصيص الوقت والجهد اللازمَين للقيام بذلك بالشكل الأمثل. ومع ذلك، لا يمكن التقليل من احتمالية حدوث تأثيرات ضخمة على السوق، وهو ما يفرض على المستثمرين البقاء على استعداد تام قدر الإمكان لتقليل الخسائر وإبقاء استثماراتهم على المسار الصحيح.

___________________________

[1] https://www.schroders.com/en/sysglobalassets/digital/insights/2019/pdfs/2019_sept_measuring-the-market-impact-of-geopolitics_kw_il_cs1696.pdf