05 يناير, 2021

إيجاد الصفقات الأمثل: ميزات منهجية استثمار القيمة

الكلمات

20210105_header.jpg

دفعت الظروف المتقلبة التي نعيشها الكثير من المستثمرين نحو أصول الملاذ الآمن والأسهم الدفاعية، سعياً منهم نحو تقليل مستويات تحمّل المخاطر إلى حدودها الدنيا. إلا أن هذا التوجه يقود إلى احتمالية توافر الكثير من الأسهم منخفضة القيمة، والتي تمثّل فرصة فريدة بالنسبة لمستثمري القيمة.

وهنا، لا بد من تعريف مفهوم استثمار القيمة وكيفية عمله.

طبيعة استثمار القيمة

يسود اعتقاد بأن الأسهم تكون عادةً دقيقة الأسعار لأنها تمثل انعكاساً للمعرفة الكلية للمستثمرين الذين يتداولونها. ويُعرف هذا المفهوم باسم كفاءة الأسواق، وهو ما يجعل من تحقيق إيرادات تفوق الأداء الخاص بالمؤشرات العالمية أمراً مستحيلاً، نتيجة عدم وجود حجم كافٍ من الأسهم المُقدَّرة بصورة أقل أو أكثر من قيمتها الحقيقية. وبالتالي، تتمثل استراتيجية التداول الأفضل في الاستثمار في أسهم النمو، أي في الشركات التي تملك سجل أرباح متسقاً وطويل الأمد، والتي ستضمن تحقيق إيرادات ثابتة ومُربحة.

ومن جهة أخرى، يعتقد مستثمرو القيمة أن الأسواق لا تعمل بهذا القدر من الكفاءة، ومن المحتمل أن يُساء تقدير قيمة الأسهم، وأن الأسهم المتوافرة بأسعار متميزة من شأنها تحقيق مكاسب في السعر وتزويد المستثمرين بفوائد متميزة، وذلك عند بروز مدى السلامة المالية التي تتمتع بها الشركات التي أصدرت تلك الأسهم.

ويوجد الكثير من الأسباب التي تؤدي إلى حدوث خلل في الأسواق. يتمثل أولها، بطبيعة الحال، في حالات انهيار الأسواق، والتي شهدناها مؤخراً في شهر مارس الفائت نتيجة جائحة كوفيد-19. وتؤدي حالة الهلع في الأسواق إلى انخفاض قيمة العديد من الأسهم. ويُذكر من الأمثلة على ذلك فقاعة الإنترنت التي نشأت مطلع الألفية الجديدة، حين سجّلت أسهم شركات التكنولوجيا ارتفاعاً حاداً فاق القيمة الحقيقية لمعظمها، قبل انفجار هذه الفقاعة بالمجمل. أما بعد الانهيار، تنخفض قيمة الكثير من الأسهم بصورة مفاجئة وحادة. وقد نجح الكثير من هذه الأسهم هذا العام في التعافي وتسجيل أسعار قياسية بعد حالة الإغلاق التي فرضت العمل من المنزل على الكثيرين.

Commodites

أما السبب الآخر وراء إساءة تقدير قيمة الأسهم فيتمثل في عقلية القطيع. فأحياناً تُتخذ القرارات الاستثمارية بصورة متحيزة وعاطفية عوضاً عن الاستناد إلى مؤشرات السوق الأساسية. وقد يتجه المستثمرون لشراء الأسهم الرائجة، ما يدفع بأسعارها لتجاوز قيمتها الفعلية نتيجة الخوف من تفويت الفرصة؛ أو بيع الأسهم للتماشي مع التيار السائد، الأمر الذي يقود إلى انخفاض قيمتها بفعل خوف المستثمرين من الخسارة. ويقود هذا السلوك الاستثماري إلى تضخيم حركة السوق صعوداً أو هبوطاً.

وإضافة لذلك، قد يتجه المستثمرون نحو الإفراط في البيع بفعل الأخبار السيئة وغير المتوقعة، وربما حتى دون التفكير بتأثير هذه العناوين على مقومات الشركة، أو باحتمالية أن يُحقق السهم انتعاشاً سريعاً. وقد تشمل مثل هذه الأخبار تسجيل إيرادات أقل من توقعات المحللين. إلا أن المحللين لا يقدمون توقعات دقيقة على الدوام، وقد تُجسد عمليات البيع فرصاً قيّمة للمتداولين الذين يدركون إمكانات الشركات على المدى الطويل. وبالإضافة لذلك، يمكن للتقلبات الدورية أن تقود إلى انخفاض قيمة الأسهم، إذ تعيش الشركات فترات متقلبة من الصعود والهبوط مع تغيرات المواسم أو سلوكيات المستهلكين؛ إلا أن هذه الناحية لا تؤثر على القيمة طويلة الأمد للشركة.

وهنا، يُقلل بعض المستثمرين من قيمة أسهم النمو، وينحصر اهتمامهم في الأسهم منخفضة القيمة، فيما يُخصص بعضهم الآخر قسماً صغيراً من محافظهم وبمستويات مخاطرة أعلى للاستثمار في الأسهم ذات القيمة. ونظراً لعمليات البيع الضخمة التي شهدتها الأسواق منذ مارس الماضي، حين انتقل فيروس كورونا إلى مرحلة الجائحة العالمية، فمن المرجح أن تضم الأسواق الكثير من الصفقات المتميزة في الوقت الحالي.

كيفية إيجاد الصفقات القيّمة

ينطوي إيجاد الأسهم منخفضة القيمة على بعض الصعوبات. فهو يتطلب دراسةً مفصّلة للشركات المستهدفة، والتحلي بمعرفة أفضل حول السوق بالمقارنة مع المتداولين الآخرين. ويُعتبر وارن بافت أحد أشهر مستثمري القيمة، وتنحصر استثماراته في القطاعات التي عمل فيها بشكل شخصي. ويقوم بافت بإجراء دراسة مُوسّعة حول الشركات، ويقدم استثمارات طويلة الأمد حينما يقتنع بجدوى القيمة التي لاحظها.

وإلى جانب ذلك، يستند المستثمرون إلى مقاييس متعددة لتحديد القيمة الحقيقية للأسهم ومن ثم مقارنتها مع سعرها القائم. وهنا، يمكن للتحليلات المالية تقديم تحليلات متعمقة حول أداء الشركة وإيراداتها وعائداتها وتدفقها النقدي وأرباحها، بالإضافة إلى جوانب رئيسية أخرى مثل العلامة التجارية للشركة وإدارتها ونموذج أعمالها ومبادئها وهيكليتها المالية وخططها طويلة الأمد وأسواقها المستهدفة وأفضليتها التنافسية. وتفيد الشركات ذات أسهم القيمة في تحقيق مكاسب معتدلة في الإيرادات والعائدات خلال مدة زمنية معيّنة. إلا أن مستثمرو القيمة ينظرون إلى ما وراء العناوين الإخبارية وأداء الشركة على المدى القصير.

حساب نسبة السعر إلى الأرباح ومعدل إيرادات السهم

يبحث المستثمرون عند تقييم قيمة الأسهم عن شركات تقدم عائد أرباح أسهم مرتفع، ومعدلات منخفضة لنسب السعر إلى الأرباح والسعر إلى القيمة الدفترية والسعر/الأرباح إلى النمو، إضافة إلى معدل إيرادات السهم، وتاريخ الشركة الطويل والمتسق، ومعدلات الدَّين الملائمة لديها. فيما قد يستخدم بعض المستثمرين نماذج التدفقات النقدية المخصومة لتحديد القيمة الجوهرية للأسهم.

وتُعتبر نسبة السعر إلى الأرباح منهجية شائعة الاستخدام لتحديد فيما إذا كان سعر السهم يعكس إيرادات الشركة بدقة. وتُحسب النسبة ببساطة عبر تقسيم سعر السهم الحالي على عائدات الشركة عن كل سهم. وكلما انخفضت هذه النسبة، يزداد معها التقدير المنخفض لقيمة الأسهم.

ومع ذلك، قد تُظهر هذه النسبة تقلبات مع الزمن، وتسجل معدلات أخفض ضمن القطاعات الأكثر نضجاً، والتي من غير المرجح أن تحقق نمواً قوياً في المستقبل القريب، ومعدلات أعلى في القطاعات سريعة التوسع مثل قطاع التكنولوجيا. وهنا، يمكن أن يمثّل معدّل إيرادات السهم الخاص بالشركة مؤشراً أفضل، إذ يعتمد على تقسيم الربح للسهم خلال الأشهر الـ12 المنصرمة على سعر السهم الحالي. وتظهر قيمة هذه النتائج عند مقارنتها مع معدل إيرادات السهم في الشركات الأخرى بنفس القطاع، أو مع مستوى السوق الحالي، أو حتى مع العائد على السندات الحكومية.

السعر إلى القيمة الدفترية

تركّز نسبة السعر إلى القيمة الدفترية على أصول الشركة والتزاماتها وتُقارنها مع سعر السهم، عوضاً عن التركيز على إيرادات الشركة غير الثابتة. وبصورة عامة، يكون تقييم السهم منخفضاً في حال كان سعر السهم أقل من قيمة الأصول،

وتبيّن القيمة الدفترية القيمة الأصلية للشركة. وتقوم معظم الشركات بالتداول عند قيمة أعلى من 1، لضرورة أن يعكس سعر السهم قيمة الأصول والالتزامات وقدرة الشركة على تحقيق العائدات. فيما تمثل القيمة الأقل من 1 مؤشراً جيداً على التقدير المنخفض لقيمة السهم، إلا أنها قد تكون بالوقت ذاته إشارةً على مرور الشركة بفترة صعبة.

عائد أرباح الأسهم

يًقارِن عائد أرباح الأسهم سعر السهم مع دفعات الأرباح، ويُحسب عبر تقسيم عوائد كل سهم على السعر. وكلما ارتفع الرقم، تنخفض القيمة المدفوعة مقابل الأرباح. وتقتصر القيمة الإيجابية لهذه الناحية فقط على الشركات التي تملك تاريخاً طويلاً ومتسقاً في دفع وتعزيز أرباح الأسهم.

ويمكن للمستثمرين دمج عائد أرباح الأسهم مع مقاييس أخرى لتحديد قيمة السهم. وعلى سبيل المثال، تقوم إحدى أشهر أدوات تحديد القيمة على دمج معدل إيراد السهم وعائد أرباح الأسهم ونسبة احتجاز الأرباح والعائد على الأسهم.

احتمالات مفتوحة

بالإضافة إلى العمليات الحسابية التي ذكرناها سابقاً، يجب على مستثمري القيمة أيضاً تحليل بيانات الشركة للحصول على صورة أوضح حول مقوماتها ووضعيتها بالمقارنة مع الشركات الأخرى في القطاع. وعادةً ما يقدّم بيان الإيرادات السنوية للشركات فهماً أوضح حول حالتها العامة مقارنةً مع البيانات ربع السنوية، نظراً لتقلبات أحجام المبيعات على مدار العام.

وفي النهاية، فإن إيجاد الصفقات غير المُكتشفة في السوق يُعتبر فناً أكثر منه عِلماً. فمن الممكن أن يدرس مستثمران مختلفان المعلومات ذاتها حول المشهد المالي لإحدى الشركات، ويتوصلان إلى نتيجتين متغايرتين تماماً. فبعض المستثمرين يهتمون فقط بأداء الشركة الحالي، فيما يركّز آخرون على إمكانات النمو، والبعض الآخر يدمج المقاربتين معاً.

ويجب أن يتشارك مستثمرو القيمة في المنهجية القائمة على شراء الأسهم التي يعتقدون بإمكانية ارتفاع قيمتها في المستقبل، والاحتفاظ بهذه الأسهم على المدى الطويل، ومن ثم كسب الأرباح حين تصل الأسهم إلى قيمتها الجوهرية المطلوبة أو تتجاوزها.

ولتحقيق النجاح يتعين على مستثمري القيمة بذل جهد كبير والتحلي بالصبر لرؤية التوقعات تتحول إلى حقيقة ملموسة. وفي حال إنجاز هذه المهام بالصورة الأمثل، سيحظى هؤلاء المستثمرون بأرباح مجزية للغاية.