11 سبتمبر, 2020

الاتجاهات السائدة في أسواق السلع: نظرة مستقبلية متباينة لعام 2020

الكلمات

gold

قطاعا النفط والغاز الطبيعي يواصلان انخفاضهما، بالتوازي مع انتعاش الذهب والمعادن الصناعية.

فرضت جائحة كوفيد-19 حالة من الفوضى في أسواق السلع العالمية خلال عام 2020، وكان قطاع النفط الأكثر تضرراً بعد انخفاض أسعاره في فترة ما إلى ما دون الصفر نتيجة التراجع غير المسبوق لأنشطة السفر والتجارة. كما تراجعت المعادن الصناعية بشكل كبير، وإن لم يكن مثل النفط، غير أنها سجلت انتعاشاً قوياً منذ ذلك الحين. من جهة ثانية، تراجع قطاع السلع الزراعية، وكان المطاط الأشد تأثراً، ولكن سُرعان ما تعافت الأسعار بقوة مجدداً. كما سجلت المعادن النفيسة، وفي مُقدمتها الذهب، موجات صعود جديدة مُستفيدةً من مكانتها كملاذ استثماري آمن خلال فترات اضطراب السوق.

واعتباراً من تاريخ 20 أغسطس، سجّل مؤشر تومسون رويترز/سي آر بي للسلع الأساسية، الذي يتتبع الأسعار الآجلة لـ 19 سلعة أساسية، انخفاضاً بنسبة 18.5% عن مُستواه في بداية العام، رغم انخفاضه عن أدنى مستوى له في أبريل بنسبة 42.6%. ومنذ ذلك الحين، اتبعت معظم السلع، المُتأثرة بشدّة بحالة الذعر التي سادت السوق بسبب جائحة كوفيد-19، مساراً يُظهر بأن الأسواق تمضي قدماً بخطىً سريعة نحو التعافي المنشود، ولكن استمرار حالة انعدام اليقين الشديدة يُضعف الثقة بفرص حدوث ذلك.

Commodites

ويعتمد توقُّع حركة الأسعار في الفترة المتبقية من العام الجاري إلى حدٍ كبير على المُستجدات المُرتبطة بجائحة كوفيد-19 وتأثيراتها التي لا يزال من الصعب توقّعها حتى اليوم رغم الجهود الدؤوبة التي تبذلها الحكومات حول العالم. كما ترتبط حالة انعدام اليقين في السوق بأسباب رئيسية أخرى تتضمن نتائج حزم التحفيز الحكومية باهظة التكاليف وحالة الركود السائدة والبطالة المحتملة وتوتر العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بالإضافة إلى تأثير الانتخابات الرئاسية الأمريكية المُقررة في شهر نوفمبر المُقبل.

الضغوط الهبوطية تتواصل على النفط، وتعافي الغاز الطبيعي المُسال وسط استمرار لحالة انعدام اليقين

كانت أسواق النفط الخام هي الأكثر تضرراً من جائحة كوفيد-19، فقد أدّت إجراءات الإغلاق حول العالم إلى تسجيل انخفاض كبير في الطلب على وقود النقل، الذي يمثل ثلثي الطلب العالمي على النفط. كما تفاقم التأثير على الأسعار إثر انهيار محادثات مجموعة "أوبك بلس" خلال شهر مارس، بخصوص الإنتاج والتعامل مع انخفاض الطلب وحرب الأسعار بين روسيا والمملكة العربية السعودية. ولم يكن تأثير الاتفاق اللاحق خلال شهر أبريل كبيراً في دعم الأسعار، حيث استمرت حالة عدم اليقين في معدلات الطلب والمخاوف من الحاجة إلى تخفيض الإنتاج بصورة أكبر.

وانخفضت أسعار النفط الخام في أغسطس بنحو الثلث عمّا كانت عليه مطلع العام، لتواصل بذلك سلسلة الانخفاضات المُسجلة في شهر أبريل، عندما تراجع خام غرب تكساس الوسيط في فترةٍ ما إلى سالب 40 دولار للبرميل. ولا يزال الطريق أمام بلوغ مرحلة الانتعاش الكامل مشوباً إلى حد كبير بحالة انعدام اليقين. وقد تراجعت حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 في الولايات المتحدة، ولكن العدد لا يزال مُرتفعاً بطبيعة الحال، ومن المرجح أن يبقى الطلب على النفط ضعيفاً لبقية العام نظراً لاستمرار فرض القيود على السفر. وحتى عندما تبدأ الأسعار بالارتفاع، ستنخفض مجدداً نتيجة طرح المخزون النفطي الوفير في الأسواق. إضافة إلى ذلك، تعمد أوبك إلى زيادة الإنتاج تدريجياً، ما سيؤدي إلى تقييد أي حالة تعافي للأسعار.

Commodites  

كما أفضت إجراءات الإغلاق العالمية إلى خفض الطلب على الغاز الطبيعي وتراجع أسعاره، وتفاقم الوضع أكثر بسبب ضخّ إمدادات جديدة في سوق كانت تعاني بالأصل من زيادة معدلات العرض ومع ذلك، تعافت الأسعار إلى حدٍ كبير نتيجة الأجواء الحارة غير الاعتيادية في شمال آسيا خلال شهر أغسطس، ما دفع أسعار واردات الغاز الطبيعي المُسال الآسيوية لأعلى مستوياتها منذ شهر يناير، عند ظهور أول تأثير لفيروس كوفيد-19 على معدلات الطلب. ولا تزال حالة انعدام اليقين تشوب مشهد الغاز الطبيعي المسال، ليس فقط خوفاً من مستجدات جائحة كوفيد-19، بل بسبب سياسات الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، وتوقيت ونطاق عمليات إعادة تشغيل مرافق الطاقة النووية في اليابان، وكميات الغاز الواردة إلى أوروبا عبر خط الأنابيب الروسية.

الذهب يميل لتسجيل ارتفاعات جديدة نتيجة تركيز المستثمرين على الملاذات الآمنة

شهد الذهب وغيره من المعادن الثمينة موجات بيع كثيفة أثناء فترة اضطراب السوق خلال شهر مارس، ولكنه استطاع التعافي لاحقاً إلى مستويات غير مسبوقة فوق 2000 دولار للأونصة، بسبب تزايد الطلب على الملاذات الآمنة. كما تعافى كل من الفضة والبلاتين، اللذان ترتبط حركة أسعارهما بشكلٍ وثيق مع المعادن الصناعية، وإن كان ذلك بدرجة أقل. وألقى الانخفاض الحاد في عمليات إنتاج السيارات بثقله على مستويات طلب وسعر البلاتين، خاصة وأن الحجم الأكبر من الطلب على هذا المعدن يرتبط بتصنيع أجهزة المُحولات المُحفزة.

وكانت أسعار الذهب بمنأى عن تأثير الانخفاضات الحادة في الطلب على المجوهرات؛ حيث واصلت ارتفاعها بقوة مدعومةً بالمستثمرين الذين واصلوا التركيز على الملاذات الآمنة أثناء جائحة كوفيد-19 المتواصلة حتى الآن، وتعثُّر الاقتصاد العالمي، وتطبيق إجراءات ضخمة للتحفيز المالي والنقدي، إلى جانب ضعف الدولار الأمريكي، واستمرار التوترات الجيوسياسية والتجارية. وقد استحوذت الصناديق المتداولة في البورصة على نحو 900 طن من الذهب بين يناير ويوليو، ما يمثل رقماً قياسياً بحسب مجلس الذهب العالمي.[i]ورغم وصول أسعار الذهب إلى مستويات قياسية، من المُستبعد في المدى المنظور أن تتلاشى الأسباب الداعمة لذلك الارتفاع، كما يتوقّع المحللون تسجيل المزيد من المكاسب قبل نهاية العام الجاري. بالمقابل، سجل الفضة طلباً لافتاً، بعد ارتفاعه بنحو 50% منذ مطلع العام، كما يواصل السير باتجاه صعودي مدعوماً ببعض الانتعاش في الاستهلاك الصناعي.

النحاس يُحقق انتعاشاً ملحوظاً بين المعادن الأساسية

أدّى تراجع الطلب بسبب إجراءات الإغلاق حول العالم إلى تأثر أسعار مُعظم المعادن الصناعية بموجات انخفاضٍ كبيرة، وخاصة النحاس والزنك، اللذان انخفضا لأدنى مستوياتهما في مارس بنسبة 25% و17.5% على التوالي. وساعد استئناف النمو الاقتصادي في الصين، التي تستأثر بأكثر من نصف الطلب العالمي على المعادن، في تعافي كلا المعدنين ووصولهما إلى مستويات مرتفعة مقارنة مع بداية العام، حيث جاء ذلك مدعوماً بإجراءات التحفيز الحكومية حول العالم وإغلاق بعض المناجم ومصافي التكرير.

من ناحية أخرى، استفاد النحاس، وهو مقياس لرفاهية الاقتصاد العالمي، من زيادة الطلب على مشاريع الكهرباء حول العالم، بما فيها محطات شحن السيارات الكهربائية. كما ساهم قطاعا السيارات الكهربائية والإنشاءات في تعزيز الطلب على الزنك والنيكل والألمنيوم والرصاص. ومن المتوقع أن تواصل أسعار النحاس ارتفاعها في حال كان تفشي جائحة كوفيد-19 في الدول الرئيسية المنتجة للمعدن، مثل تشيلي والبيرو، يشكل تهديداً على الإمدادات، رغم التوصل لصفقة مع عُمال منجم زالديفار بمنطقة أنتوفاغاستا في تشيلي لتجنّب أي إضراب مُحتمل.[ii]

بالمقابل، وصل الزنك إلى مستويات أعلى من تلك التي سجّلها قبل تفشي الجائحة، ليستحوذ بذلك على بعض الاهتمام بالمضاربة من السلع الصاعدة الأخرى مثل النحاس، وذلك بالتزامن مع تأجيل افتتاح المناجم بسبب التزام العمال في أمريكا الجنوبية بالحجر المنزلي بسبب تفشي جائحة كوفيد-19. وبخلاف النحاس، لا تزال سوق الزنك تُعاني من فائض المعروض، ومن المُستبعد وصول أسعاره إلى مستويات أعلى.[iii]

كما استعاد الألمنيوم الكثير من خسائره بين شهري مارس ومايو، ولكنه لم ينجح بعد في الوصول إلى المستويات التي سجلها منذ مطلع العام. ولا يزال الطلب الصيني على الألمنيوم قوياً، غير أن انخفاض أسعار المواد الخام وارتفاع التكلفة المترتبة عن إغلاق المصاهر ساهم في ازدياد حجم المخزون.[iv]وبرزت أيضاً عوامل أخرى عرقلت الوصول للانتعاش الكامل، ومنها إعادة فرض الرسوم الجمركية الأمريكية على الألمنيوم الكندي مؤخراً.[v]

وارتفع النيكل إلى مستويات أعلى بقليلٍ عمّا سجله قبل تفشي جائحة كوفيد-19، ولكنه ظل بعيداً عن مستوياته المرتفعة خلال الربع الثالث من عام 2019. وسيعتمد ارتفاع الأسعار على استمرار أندونيسيا بحظر صادرات النيكل لتشجيع عمال المناجم على تطوير مصاهرهم الخاصة، وبالتالي تعزيز قدرتهم على تصدير منتجات ذات قيمة مضافة.[vi]علاوةً على ذلك، ستعتمد حركة الأسعار إلى حدٍ كبير على التأثير المستمر لجائحة كوفيد-19 على الاقتصاد الصيني والاقتصادات الأخرى، وعلى التطورات الأخرى في قطاع السيارات الكهربائية الذي يعتمد على النيكل كأحد المعادن الأساسية لتصنيع البطاريات القابلة لإعادة الشحن.

ارتفاع خام الحديد بدعم من إنتاج الصلب الصيني

كان خام الحديد المستفيد الرئيسي من الانتعاش السريع للاقتصاد الصيني، إذ تشتري الصين أكثر من ثلثي خام الحديد المنقول بالسفن في العالم، ما يجعل الحديد أبرز السلع الأساسية للاقتصاد الصيني والأفضل أداءً حتى هذه الفترة من العام. وسجل خام الحديد أعلى مستوى تداول في ست سنوات عند 125 دولار للطن في 21 أغسطس، بزيادة قدرها 48% عمّا سجّله مطلع العام، خاصة وأن الإنتاج القوي للصلب في الصين ساعد على تعزيز الطلب. كما أكدت الحكومة الصينية مؤخراً عزمها زيادة الإنفاق على تشييد البنية التحتية لمواجهة تأثير جائحة كوفيد-19 على الاقتصاد.

ومن المرجح أن يُحافظ إنتاج الصلب الصيني على المسار الصعودي لأسعار خام الحديد، حيث سيأتي ذلك بدعم من تضاؤل حجم المخزون في الموانئ الصينية وتوقف الإنتاج في البرازيل بسبب تسجيل أعلى مُعدلات إصابة بجائحة كوفيد-19 في العالم، واستمرار موسم الرياح الموسمية لمدة أطول من السابق.[vii]

انتعاش مُستمر للسلع الزراعية

حملت جائحة كوفيد-19 تأثيرات سلبية على مستويات طلب السلع الزراعية. وعلى الرغم من أن التأثير لم يكن كبيراً كما هو الحال بالنسبة لبعض السلع الأخرى، غير أن الانتعاش جاء متواضعاً، حيث انخفض الطلب على القمح والأرز والسكر والبن والكاكاو والقطن بنسبة 8% منذ مطلع العام. وقد تشهد الأسواق ارتفاعاً إضافياً في الأسعار في حال تأثر موسم النمو بنقص العمالة الناجم عن فرض قيود على حركة السفر، ولا سيما السفر عبر الحدود. وسيشكل ذلك مصدر قلق في الاقتصادات المتقدمة التي تعتمد على العمالة الوافدة إلى حدٍ كبير.

وثمة عوامل أخرى قد تؤدي لاضطرابات جديدة، تتمثل في قيام الدول المُصدّرة للأغذية بتأمين إمداداتها الغذائية من خلال تقييد الصادرات؛ مثل القيود التي أعلنتها روسيا على القمح وفيتنام على الأرز، أو تجاه الدول المستوردة للغذاء إلى شراء إمدادات الغذاء بوتيرة تفوق المُعتاد، مثل تركيز مصر والمملكة العربية السعودية على شراء القمح واهتمام الفلبين بشراء إمدادات الأرز.[viii]ومن المرجح أيضاً أن ترتفع الأسعار إثر الاضطرابات في سلسلة التوريد.

وكانت السلع المُستخدَمة في الوقود الحيوي لأغراض النقل، مثل فول الصويا والذرة، من بين السلع الزراعية الأكثر تضرراً، إذ سجل فول الصويا انخفاضاً بنحو 6% منذ مطلع العام، بينما واصلت الذرة الانخفاض إلى أدنى مستوىً لها في 11 عاماً خلال شهر أغسطس، نتيجة المخاوف من زيادة المعروض بعد أجواء الصيف المواتية في جزء كبير من حزام الذرة في الولايات المتحدة والتوقعات الإيجابية حيال موسم الحصاد في أوكرانيا وفرنسا.