17 أغسطس, 2020

دليل المستثمر للتكيف مع تقلبات الأسواق

الكلمات

 

في ضوء الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أسواق الأوراق المالية حول العالم نتيجة جائحة فيروس كورونا، والتي أدت إلى أكبر حالة من الضبابية الاقتصادية خلال عقود، يجدر بالمستثمرين أن يتذكروا دائماً أهمية الحفاظ على الهدوء والمواظبة على الاستثمار

كثيراً ما يُقال إن الأسواق المتحركة تشكل بيئة أكثر خصوبة لجني الأرباح من نظيرتها الهادئة، ومع ذلك فإن العديد من المستثمرين يتجهون مباشرة للخروج من السوق بمجرد أن تبدأ بالتقلب، ذلك أن جني الأرباح في الأسواق المتقلبة ليس بتلك السهولة على أرض الواقع.

في شهر مارس الماضي، وعندما بات واضحاً أن مرض كوفيد-19 سيتحول إلى جائحة عالمية سيكون لها تأثير اقتصادي جسيم، شهدت الأسواق هبوطاً في كافة أنواع الأصول. ومع أن الأسواق قد استقرت إلى حد ما منذ ذلك الحين، فإن قدراً كبيراً من الغموض لا يزال يخيم على الأسواق العالمية.

وكان مستوى التقلب في البورصة الأمريكية، وفقاً لـ مؤشر خيارات مجلس شيكاغو لتذبذب البورصة (CBOE VIX) قد بلغ ذروته في 16 مارس الماضي، ليصل إلى 82.69 نقطة، حيث شكل هذا الارتفاع ترجمةً للمخاوف المتزايدة في السوق من التبعات الاقتصادية للجائحة، وهو أعلى مستوى يصل إليه المؤشر منذ أن بلغت الأزمة المالية العالمية أوجها في شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 2008. وعلى الرغم من عودة الاطمئنان نسبياً إلى الأسواق، فإن التقلب بقي شديداً، إذ تراوح المؤشر في أواخر شهر يوليو عند 27 نقطة، متجاوزاً قيمته الوسطية التاريخية بنسبة 40 في المئة.iويدل ذلك على استمرار المخاوف لدى المستثمرين من قدرة الأسواق على الانتعاش، ما قد يؤدي إلى استمرار تقلبات أسعار الأسهم لبعض الوقت، لا سيما في حال جاءت النتائج الاقتصادية والتجارية دون التوقعات.

المصدر: ريفينيتيف

التركيز على الاستثمار للمدى الطويل

تتمثل القاعدة الأولى لدى حدوث تقلب مفاجئ في السوق في الحفاظ على الهدوء وعدم الهلع، وهي قاعدة ينساها كثير من المستثمرين، والذين سرعان ما يقعون فريسة نقص الثقة بالنفس، خاصة مع التأثر بوسائل الإعلام التي تبالغ في نقل كل الأرقام والتوقعات السلبية. ففي بعض الأحيان، تركز هذه الوسائل على التأثيرات الفورية المتوقعة لحدث ما، بدلاً من محاولة استشراف التطورات على المدى الطويل.

وهكذا، فإن بيع الأسهم نتيجة الهلع قد يلحق بالمستثمرين خسائر كبيرة، كما أنه سيفوت عليهم فرصة الاستفادة من الأسعار عند انتعاشها؛ إلا في حال قاموا ببيعها في وقت مبكر عند ظهور أولى بوادر الخطر وقبل بدء هبوط الأسعار، ثم أعادوا شراءها عند وصولها إلى أدنى مستوياتها، وهو ما يتطلب اختيار التوقيت بشكل مثالي، الأمر الذي لا ينجح فيه على أرض الواقع سوى قلة من المستثمرين الذين يتمتعون بحظ جيد أو قدرة ممتازة على قراءة السوق. لذا، فإن المستثمرين الذين باعوا حصصهم وجمدوها على شكل مبالغ نقدية قد يتلقون خسائر فادحة نتيجة تفويت فرصة الاستفادة من انتعاش السوق في بدايته.

وتكمن الاستراتيجية المثلى في مثل هذه الحالات عادةً في الحفاظ على الاستثمارات على المدى الطويل. إضافة إلى ذلك، وبعد انتهاء الموجة الأولى من البيع وإعادة ترتيب المحافظ التجارية، من المرجح أن ترتفع أسعار الأصول، التي تعتبر ملاذاً آمناً، على نحو لا يتلاءم مع مؤشراتها الأساسية.

وفي هذا السياق، تُقدم مراجعة أداء مؤشر داو جونز الصناعي على مدى السنوات الثلاثين الماضية الكثير من الأدلة على كفاءة استراتيجية السكون، حيث شهد المؤشر هبوطاً كبيراً إبان الأزمة الآسيوية عام 1997، وفقاعة الإنترنت عام 2000، وهجمات 11 سبتمبر عام 2001، والأزمة المالية العالمية عام 2008، ومع ذلك فإن السوق كانت تتعافى في كل مرة وتستعيد اتجاهها التصاعدي على المدى الطويل.

ويبقى انهيار السوق أمراً لا مفر منه في مجال الاستثمار، ولذا فإن أي شخص يسعى للاستثمار على المدى الطويل عليه أن يتوقع مواجهة انهيار كهذا مرة أو أكثر، وأن يدرك أنها ليست النهاية، وإن كانت تبدو أحياناً كذلك. وما يؤكد هذا هو أن انهيار الأسواق نتيجة جائحة كوفيد-19 يعادل في شدته ذاك الذي سببته الأزمة المالية العالمية عام 2008، ومع ذلك فإن التعافي يسير الآن بسرعة أكبر بكثير مما كان عليه سابقاً.

المصدر: ريفينيتيف

 

وفي حال قرر المستثمر البقاء في السوق على المدى الطويل وانتظار مرور العاصفة، فإن إحدى الطرق لتحقيق ذلك هو اتباع استراتيجية توسيط التكلفة بالدولار، والتي تقوم على ضخ مبلغ ثابت من المال بشكل دوري في استثمار محدد، ما قد يسهم في التخفيف من القلق حيال قرار البقاء في السوق عند تعرضها لاضطرابات من هذا النوع.

 

إعادة تقييم المخاطر ومراجعة المحفظة الاستثمارية

الحفاظ على الهدوء لا يعني بالضرورة البقاء ساكناً دون حراك، إذ إن الكثير من المستثمرين يجدون من الأفضل أخذ المبادرة الفعالة في إدارة محافظهم الاستثمارية، حتى وإن كانوا لا يريدون البيع والخروج من السوق، حيث يجدون في الأزمة فرصة مناسبة لمراجعة المحافظ وتعديل نسبة المبالغ التي يضخونها في الاستثمارات تبعاً لدرجة خطورتها ومدى تماشيها مع مقدار ميلهم للمخاطرة. وإضافة إلى ذلك، يعمد المستثمرون إلى تنويع محافظهم بدرجة تتيح توزيع الخطورة على أنواع الأصول المختلفة، ما يقلل من الخطورة الإجمالية.

وعادة ما يتم تنويع الأصول للتأقلم مع فترات التقلب من خلال زيادة الاستثمار في الأصول الآمنة كالذهب أو الدولار الأمريكي أو السندات المالية ذات الدخل الثابت مثل سندات الخزينة الأمريكية، أو ما يُعرف بالأسهم الدفاعية.

ومع ذلك، يجب على المستثمر أن يدرس بدقة طبيعة الأحداث التي سببت التقلبات الأخيرة، ليستطيع تحديد القطاعات التي ستستطيع توفير هذه القدرة الدفاعية خلال هذه الأزمة. فعلى سبيل المثال، شهدت القطاعات التي كانت توصف عادةً بمناعتها في مواجهة الهبوط، مثل الخدمات التجارية والاحترافية، والعقارات، وخدمات المستهلكين، هبوطاً عندما هزت جائحة الكورونا الأسواق في مارس من العام الحالي، وخاصة خدمات المستهلكين؛ فيما شهدت قطاعات أخرى، منها البرمجيات والمعدات التكنولوجية والمواد نصف الناقلة والمعدات المتعلقة بها والإعلام والترفيه، أداءً إيجابيا، رغم أنها لم تكن تعتبر من القطاعات المحصنة في مواجهة الأزمات. ii

 

البحث عن الأصول التي تُباع بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية

في المراحل الأولى لأزمات السوق، مثل الأزمة التي تسببت بها جائحة كوفيد-19 في مارس الماضي، تعاني جميع القطاعات من الهبوط، حتى القطاعات التي تُعتبر في أوقات أخرى ملاذات استثمارية آمنة، مثل الذهب أو السندات أو الدولار؛ ما قد يجعل من المستحيل تنويعَ المحفظة أو إعادة توزيع المبالغ المستثمرة فيها. لذلك، وما لم يتمكن المستثمر من البيع في ذروة الأسعار بالضبط قبل بدء انخفاضها، فإن المقاربة الأكثر أماناً قد تتمثل في انتظار بدء تعافي الأسواق، قبل إعادة تقييم مستويات الخطورة التي يمكن قبولها في المحفظة، ومن ثم تنويع المحفظة أو إعادة توزيع الاستثمارات على هذا الأساس.

إضافة إلى ذلك، قد يكون هذا هو الوقت المناسب للبحث عن الاستثمارات التي تُباع بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية. ومع أن هذه الخطوة ستُحتسب من ضمن الحصة عالية الخطورة في محفظة المستثمر بتوزيعها الجديد، نظراً لأنها تأتي عكس التيار السائد في السوق، فإنها قد تعود بأرباح عالية إذا أحسن المستثمر قراءة السوق واختيار التوقيت الصحيح. ومع أن هذا النوع من المضاربات لا يُعتبر من الحكمة في بعض الأوقات، إلا أن عملية اتخاذ القرار لا يجب تكون محكومة بالخوف، لأن النظرة السائدة في السوق تجاه بعض الأصول أو الأسهم لا تكون دائماً صحيحة، خاصة وأنها قد تكون ناجمة عن رد فعل قصير الأمد يدفع المستثمرين إلى البيع بدلاً من التمسك بالأصول التي تستند على مقومات صلبة. وبناءً عليه، فإن شراء هذه الأصول بأسعار منخفضة ينسجم مع استراتيجية استثمارية تعتمد على التخطيط طويل الأمد، لا على المضاربات.

ومع بدء تعافي الأسواق، يمكن للمستثمرين الابتعاد عن الأصول الآمنة، والتي قد تباع بأسعار تتجاوز قيمتها الحقيقية، ليبحثوا عن فرص جديدة للشراء، خاصة للأسهم التي بيعت بأعداد كبيرة وأسعار مخفضة خلال الموجة الأولى من الأزمة، والتي تعود لشركات يُتوقع أن يكون تأثير الأزمة عليها مؤقتاً. ففي حال استطاعت هذه الشركات تجاوز الآزمة بسلام، قد تعاود أسهمها الصعود فور انحسار الجائحة.

كما يمكن للمستثمرين التحوط من التغيرات قصيرة الأمد في سوق الأوراق المالية من خلال شراء الأسهم وغيرها من الأصول في مؤشرات واسعة النطاق، تشابه في توزيعها محفظة المستثمر، إلا أن هذه الخطوة تُعتبر استراتيجية متقدمة، قد تتجاوز تكاليفها في الأسواق المتقلبة فائدتها المحتملة، لذا فقد يكون من المفيد تقليل تكاليف شراء عقود خيار البيع من خلال بيع عقود أخرى مرتفعة التكاليف. ومن الاستراتيجيات الأخرى للتحوط من الخسائر، الاعتماد على أوامر البيع عند سعر محدد للحماية من الخسارة، أو شراء أصول ترتبط عكسياً مع الأصل الذي يحاول المستثمر التحوط من الخسارة فيه.

 

التعلم من الأخطاء

من الجوانب التي يجب أن ينتبه إليها المستثمرون هي التأخر في التنفيذ في الأوقات التي تشهد حجم تداول عالي (ما قد يؤدي إلى تنفيذ العمليات بأسعار مختلفة عن الأسعار المذكورة لدى وضع طلبات التداول)، أو الصعوبات في تنفيذ التداول عند وصول النظام إلى طاقته القصوى، أو عندما يكون الضغط على الشبكة أعلى من مستواه الاعتيادي في حالة التداول الإلكتروني.

ويظهر هذا التأثير الذي تحمله أحوال السوق على التداول جلياً في الأسواق ذات الحركة السريعة، حيث قد تختلف الأسعار بشكل ملحوظ عند التنفيذ مقارنةً بالأسعار عند وضع الطلب. وفي هذه الحالة، قد يكون من المفيد الاعتماد على الطلبات المحددة (وهي الطلبات التي تتيح بيع أو شراء عدد محدد سلفاً من الأسهم عند وصولها أو تخطيها سعراً محدداً مسبقاً) وإن كانت تكلفتها أكبر بقليل من الطلبات العادية. لكن يجدر التنبيه هنا إلى أن الطلب المحدد لا يضمن دائماً نجاح التنفيذ.

وأخيراً، فمن المهم أن يتذكر المستثمر أنه، قد يرتكب أخطاء مثل أي إنسان. ومن الأخطاء الشائعة المبالغة في التأثر بالتقارير الإعلامية التي تهدف لتشويق الجمهور، أو التمسك بالأسهم الرابحة لفترة أطول من اللازم وكأنها ستحافظ على وضعها إلى ما لانهاية، أو التمسك بالأسهم الخاسرة والتعلق بأمل كاذب بصعود أسعارها من جديد. وفي ضوء ما سبق، يجدر بالمستثمر أن يتروى ويدرس خطواته بشكل دقيق عندما تمر السوق بأزمات، وأن يعيد النظر دوماً في رؤيته للأمور، ليضمن اتخاذ القرار السديد بمعزل عن العواطف والتحيز.