22 ديسمبر, 2020

أسواق الأسهم بعد أزمة كوفيد-19

الكلمات

Covid19

 

S_P500_Chart

S_P500_Chart

وبدأت المعطيات بالتغير؛ حيث أعلنت شركتا فايزر وبايو إنك تيك خلال شهر نوفمبر عن نجاحهما في تطوير لقاحٍ فعّال بنسبة تتخطى 90% في الوقاية من مرض كوفيد-19، ما شكل خطوة أولية رئيسية لعودة العالم إلى الحياة الطبيعية بعد التأثير الكارثي انتشار المرض على الحياة اليومية والاقتصاد خلال القسم الأكبر من عام 2020.

واستجابت الأسواق بشكلٍ إيجابي لأنباء تطوير اللقاح، ما منح دفعة قوية للأسهم التي تأثرت بشدة أثناء تفشي الجائحة، ولا سيما أسهم قطاعات النفط والضيافة والسفر والسياحة. كما سجلت بعض الأسواق ارتفاعاً بلغ مستويات قياسية على إثر تلك الأنباء.

S&P 500 Sector Reactions to Announcement of Pfizer/BioNTech Vaccine

وبعد مضي أسبوع من ذلك، تواردت أنباء أخرى حول نجاح شركة موديرنا في تطوير لقاح فعال للمرض، ما دفع الأسهم للارتفاع مجدداً، ومن المتوقع تحقيق مكاسب إضافية في حال الإعلان عن تطوير لقاحات أخرى. وتعتمد معظم اللقاحات المطوّرة حالياً على تقنية مبتكرة يتم فيها حقن الشفرة الوراثية لمرض كوفيد-19 في مجرى الدم بهدف تدريب جهاز مناعة الجسم على مهاجمة خلايا الفيروس المسبب للمرض.

قد يستغرق تعافي السوق بعد جائحة كوفيد-19 بعض الوقت

لا يزال الطريق طويل أمامنا قبل التأكد بثقة من انتهاء أزمة كوفيد-19 وتلاشي أثرها الكارثي على الأسواق. وكان مؤشر ستاندرد آند بورز 500 قد انخفض بأكثر من 6% خلال يومين في شهر فبراير، بعد إعلان إيطاليا عن أول إجراءات إغلاق واسعة النطاق، وقيام إدارة ترامب بطلب 1.25 مليار دولار أمريكي من الكونغرس لحماية الاقتصاد الأمريكي. كما انخفض المؤشر بنسبة 7.6% في مارس بعد أن ساهم توقف أنشطة التجارة والسفر بسبب الجائحة في انخفاض أسعار النفط، ثم ما لبث أن تراجع بنسبة 9.5% بعد يومين من تصنيف منظمة الصحة العالمية لمرض كوفيد-19 كجائحة عالمية. كما انخفض المؤشر بنسبة 12% بعد يومين، في إعقاب إعلان حالة الطوارئ الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد أقل من أسبوعين، ارتفع المؤشر بنسبة 6.2% في أعقاب توصل المشرعون الأمريكيون إلى اتفاق بشأن تقديم حزمة إنقاذ بقيمة 2 تريليون دولار أمريكي لمواجهة الجائحة.

وسيساعد انتهاء أزمة كوفيد-19، إذا حدث ذلك فعلاً، على تلاشي هذه التقلبات الكبيرة في السوق، ولكن تأثيرات الأزمة ستستمر لبعض الوقت، كما من المتوقع أن تتواصل تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مدار السنوات القادمة. ورغم إعلان شركة موديرنا عن تطوير لقاح فعال منح بارقة أمل بانتهاء أزمة كوفيد-19، واصلت السوق الأمريكية تراجعها في اليوم التالي، بعد أن جاءت بيانات إنفاق المستهلكين أضعف من المتوقع وسط تزايد مستمر لحالات الإصابة بالمرض.

وشكّلت موجة التصحيح الصغيرة تحذيراً سريعاً بضرورة مراعاة جوانب عديدة قبل أن يتاح للمستثمرين البدء بإعادة تنظيم محافظهم الاستثمارية بما يتناسب مع المرحلة التالية لأزمة كوفيد-19.

اللقاح الجديد يطرح تساؤلات عديدة

يجب بداية أخذ اللقاح نفسه بالاعتبار؛ حيث لا يزال هناك عدة تساؤلات تحتاج لإجابات وافية، وأبرزها: ما مدى سرعة طرح مئات الملايين من اللقاحات التي يحتاجها العالم؟ ومن سيحصل على اللقاحات أولاً؟ وهل ستكون اللقاحات الأولى من نصيب الأشخاص الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن أو الذين يعانون من حالات طبية مسبقة، أم الشباب المؤهلين لدخول سن العمل، الذين يعدّون أكثر قدرة على إعادة الاقتصادات إلى سابق عهدها؟ وثمة أيضاً تساؤلات حول مدى أمان اللقاحات، وفيما إذا كان سيكون هناك أي تأثيرات مرضيّة طويلة الأمد، ومدى مساهمة اللقاحات في منع تفشي المرض وتخفيف احتمالات الإصابة به، ومدة استمرار المناعة. وقد تستغرق الإجابة عن هذه الأسئلة بعض الوقت وربما سنوات، ولا شك أن أي أنباءٍ سواءً كانت إيجابية أو سلبية سيكون لها تأثير كبير على الأسواق.

وإضافة إلى التفاصيل المتعلقة باللقاحات المستخدمة، يتوجب على المستثمرين مراعاة مسألة أساسية أخرى وهي تحديد قطاعات السوق التي يُرجح أن تسجل ارتفاعاً بعد أزمة كوفيد-19، والتي يُتوقع أن تفقد أي مكاسب حققتها في السابق. ونعتقد أن الجواب على ذلك بسيط من الناحية الظاهرية؛ حيث ستكون القطاعات غير المتأثرة أكثر عرضة لخطر التراجع، فيما ستتعافى القطاعات الخاسرة، ولكن الجانب الأصعب بالنسبة للمستثمرين هو تخمين مدى استمرار التغييرات التي نتجت عن الأزمة.

ومن الواضح أن أداء بعض القطاعات كان إيجابياً خلال الأزمة؛ حيث كان قطاع الأدوية، وبشكلٍ خاص الشركات التي طورت اللقاحات، من بين الأقل تأثراً، بالإضافة إلى شركات التكنولوجيا العملاقة مثل أمازون وفيسبوك وجوجل ومايكروسوفت، وأي شركة أخرى تقدم خدمات التسوق عبر الإنترنت والمؤتمرات عبر الفيديو أو خدمات البث، لملايين المستهلكين الذين التزموا بإجراءات الإغلاق حول العالم. بالمقابل، تعرضت قطاعات أخرى لتداعيات كارثية؛ حيث سجلت شركات الضيافة والسفر والسياحة والخدمات اللوجستية والنفط والغاز تراجعاً في الدخل إضافة إلى انخفاض أسعار أسهمها.

وسلكت جميع هذه القطاعات مساراً معاكساً بعد الإعلان عن تطوير اللقاحات مؤخراً، ولكنها سرعان ما تعرضت لموجات تصحيح في اليوم التالي، واستأنفت مساراتها الهابطة المسجلة منذ بدء الأزمة.

تأثير إجراءات الإغلاق العالمية قد يستمر لعدة سنوات

سيرتبط انتهاء أزمة كوفيد-19 بنجاح القطاعات الخاسرة في استئناف مسيرة التعافي وتعرض القطاعات الرابحة لخطر التراجع، ولكن الأمر قد لا يكون بتلك البساطة. إذ ينبغي مراعاة عدة عوامل مهمة عند الاستثمار في الأسهم خلال مرحلة ما بعد الأزمة. ولعل أكثر هذه الاعتبارات أهمية يتمثل في احتمال استمرار التغييرات المرتبطة بإجراءات الإغلاق، مثل مفاهيم العمل من المنزل بدلاً من المكاتب، لفترة أطول أو أن تصبح دائمة بعد انتهاء الأزمة. ورغم التوقعات بعودة قوية لأنشطة العمل المعتادة في عام 2021 في حال كانت اللقاحات فعالة بما يكفي، غير أننا نستبعد بالمقابل عودة الموظفين إلى العمل من المكاتب بالشكل التقليدي.

وستحظى الشركات بفرصة قيمة لموازنة خسارة الإنتاجية الناجمة عن العمل في المنزل مع الوفورات المُحققة في النفقات وتوقف أنشطة العمل في المكاتب. وستقوم كل شركة بإجراء تقييماتها الخاصة لحجم أنشطة العمل التي يمكن تأديتها بصورة دائمة في المنزل، ومقدار المرونة المطلوبة وعدد الموظفين الذين يجب أن يستأنفوا نشاطهم في المكتب. وستؤثر هذه القرارات على الأسعار المستقبلية لأسهم الشركات المتخصصة بخدمات المؤتمرات عبر الفيديو، إضافة إلى الشركات التي تقدمها خدمات النقل من وإلى المكتب وغيرها مثل شركات الضيافة التي تلبي احتياجات موظفي المكاتب ضمن القرى والمدن.

وقد يحمل انتشار خدمات المؤتمرات عبر الفيديو تأثيراً طويل الأمد على أسهم شركات الطيران. إذ من المرجح أن تلتزم الشركات التي تسعى لمواجهة تأثيرات الأزمة وتحقيق التعافي طويل الأمد، بتقليص رحلات العمل عالية التكلفة والاعتماد على مؤتمرات الفيديو غير المكلفة. ورغم أن قطاع سفر الأعمال يمثل نسبة صغيرة فقط من مسافري شركات الطيران، ولكنه يساهم في معظم الأحيان بأكثر من نصف الأرباح. من جهة ثانية، سيتواصل تأثر الفنادق بالانخفاض طويل الأمد لرحلات العمل، وقد تحتاج لإعادة تنظيم جزء من عملياتها، مثل تأجير غرف كمساحات مكتبية للمدى القصير.

من جهة ثانية، فرضت أزمة كوفيد-19 تأثيرات هائلة على سلاسل التوريد التجارية. إذ ساهمت عمليات الإغلاق العالمية خلال شهري مارس وأبريل في دفع شركات عديدة للحصول على إمدادات جديدة. كما تسببت هذه الاضطرابات في دفع الكثير من الشركات المتأثرة بالأزمة إلى التفكير ملياً في الاعتماد على عددٍ أقل من الموردين والتركيز أكثر على خدمات التوريد من المناطق الجغرافية القريبة. وفرض ذلك تداعيات كبيرة على التجارة العالمية، لدرجة أن أسعار النفط انخفضت توازياً مع مستوى الطلب، لتستقر عند أقل من مستوياتها بكثير في مطلع العام.

التداعيات الاقتصادية للأزمة لا تزال غير واضحة بما يكفي

ثمة جانب آخر سيؤثر على الأسواق لبعض الوقت مستقبلاً، وهو التأثير الاقتصادي طويل الأجل لإجراءات لإغلاق خلال عام 2020 وحزم التحفيز الهائلة التي قدمتها حكومات العالم، إضافة إلى أسعار الفائدة المنخفضة التي ستتواصل على ما يبدو لفترة غير معروفة. وساهمت إجراءات التحفيز في تمكين أسواق الأسهم من بلوغ مستويات مرتفعة جديدة حتى أثناء أزمة كوفيد-19، ولا شك أن تخفيف تلك الإجراءات سيحمل تأثيرات متباينة إلى حدٍ كبير. ولا تزال التوقعات الاقتصادية المستقبلية متأثرة بحالةٍ من انعدام اليقين إلى حد كبير، ولكن من المستعبد أن تكون حالات التعافي سريعة كما يأمل الكثيرون. ومن المحتمل أن يؤثر ذلك على الأسهم التقديرية للمستهلكين لبعض الوقت في الفترة المقبلة، خاصة مع حرص المستهلكين على تأجيل شراء السلع غير الضرورية وعالية التكلفة إلى حين شعورهم بالثقة حول أمانهم واستقرارهم المالي.

وتمثل التقنيات المستدامة إحدى القطاعات التي نتوقع أن تواصل ازدهارها بعد أزمة كوفيد-19. فقد تبين بوضوح خلال هذه الأزمة حجم الضرر الذي يُمكن أن تحدثه الطبيعة، حتى في غمرة التقدم التكنولوجي الحالي، ما ساهم في إضافة زخمٍ كبير لجهود معالجة ظاهرة التغير المناخي. وعلى غرار الأنباء السارة بخصوص تطوير لقاح جديد لمرض كوفيد-19 في جامعة أكسفورد بإنجلترا، أعلنت حكومة المملكة المتحدة عن عزمها إيقاف بيع السيارات العاملة بالوقود الأحفوري بعد عام 2030، كما أكدت بأن الكشف عن المخاطر المحدقة بالمناخ سيكون إلزامياً للشركات الكبرى بعد عام 2025.

مجال واسع للتفاؤل رغم استمرار المخاطر

ينبغي أخذ العديد من الجوانب بالحسبان، ولكن وفي أعقاب التخلص من مخاطر محافظ المستثمرين في مطلع العام، نعتقد أن الوقت قد حان لإعادة موازنة وضبط المحافظ الاستثمارية لتكون أكثر قدرة على التكيف مع مرحلة ما بعد كوفيد-19.

ولا يزال هناك مجال واسع للتفاؤل رغم المخاطر الكثيرة. فبصرف النظر عن الأنباء السلبية التي أثرت على الجميع خلال عام 2020، شكّل التطوير السريع للقاحات الجديدة إنجازاً رائعاً. وأثبتت الشركات الكبيرة والصغيرة قدرتها الاستثنائية على التكيف مع جمع التحديات التي واجهتها. وصدرت العديد من مؤشرات البيانات الاقتصادية أفضل من التوقعات خلال الأشهر الستة الماضية.

ونتوقع أن يكون العالم أكثر استقراراً واستعداداً للتعامل مع تحديات ما بعد كوفيد-19 في حال استكملت المملكة المتحدة انسحابها من الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العام، ونجح الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن في إعادة بناء العلاقات مع المؤسسات والهيئات العالمية، مثل اتفاقية منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس، وتحسين العلاقات والأنشطة التجارية الأمريكية مع الصين.